في
المساء حين تتساقط الثلوج مرتطمة بالنافذة، فيغلفها الضباب الأبيض، أمسحها بيدي، أنظر
إلى الخارج فأرى الطبيعة غائمة، هادئة وديعة، كم أعشقها حين تكون بلا شمس! ربما أشعر
أنها تبكي أو أنها تغتسل، فأتوهم أن الثلوج قد تطهرني من الآثام، وأن البرد قد
ينقيني من كل الذنوب إلا ذنب حبك..!
أضاءت أباجورة عاجية اللون ، استلقت فوق أريكة ناعمة
بجوار المدفأة، تعبث أناملها بأوراق الزينة الخضراء، ودت لو يفارقها السخط وينطوي
الليل بلا كدر .
تذهب وتجيء وهي تلوك يديها في عصبية وتوتر، دخل
مراد تسبقه هالة من اللفتات الرقيقة: لماذا لم تنتظري حتى أشرح لكِ الأمر أردت أن أخبرك
بالحكاية سا..
قال باقتضاب: مساء الخير، جهزت الغداء؟
تُرى هل كان ما بها مس من
الجنون؟ عجبت لحماقة الأوهام وتفاهة الأسباب وسهام الحب التي أطلقت فيها رصاصات دامية،
ودت لو تراه فتخبره بأنها نادمة ولكن يعجزنا النطق أحيانا بكلمات عاجزة عن وصف ما
نعانيه.. ما عرفت السعادة إلا مذ عرفت هواك، وما ذقت كأس المر إلا مذ فارقتني! ما أدركت الحب إلا بعد فقدك..!
وأنت
على البعد السحيق هناك حيث دول أخرى تغتسل طول العام بالبرد وترتدي الثلوج البيضاء
فأتجه نحوك بخيالي لأراني بالقرب منك، من ذلك الإحساس الجميل بالطبيعة اللامعة
التي أعشقها ! بالقطارات النظيفة التي تحملك كبساط الريح من دولة لأخرى، بالدفء
البارد الذي يسري في الجسد فيحيل كل شيء إلى برودة منعشة، بعيداً عن القيظ والهجير
وجفاف الحلوق، بعيداً عن الوحدة والألم والعذاب..
وحدتي بدونك..
عذابي في البعد عنك..
غيرتي من الثلج والمطر..
والقطارات التي تحظى بك..
أتذكرك على البعد فأشم رائحة الورد..
وأصغي إلى ضربات الثلج.. ودقات القلب..!
ندت عن قسماتها في صمت
الليل القلق أصوات مبهمة كأنما تخاطب نفسها، ومراد يغط في نوم هادئ عميق، راح خيالها
يكاشفه بما في مكنون نفسها، بأفكارها المحمومة، تتصوره مخطئا لتجد شتى مبررات
السخط والغضب ولكن نهرا باردا يحول بينها وبين أمنيتها المفزعة، تركت الفراش
الوثير ومضت إلى الصالة الواسعة.
استيقظ مراد مبكرا
كعادته، لم يرد إزعاجها، بادر إلى إعداد طعام الإفطار، شعرت به، أدارت عينيها في
الغرفة الواسعة، وقد ثقل رأسها بدويّ فارغ، شعرت بخطواته الخفيفة فخاطبت نفسها
قائلة: كم هو رقيق وديع، جلست في الفراش وراحت تتخلل خصلات شعرها بأصابعها كأنما
لتطرد عنها ذلك الفيض المتلاطم من المشاعر المتناقضة.
أقبل مراد وهو يحمل طعام الإفطار، تأملته في غبطة وسرور، وقال بصوته
الدافئ: صباح الخير حبيبتي..
أحست وخزا لما انطوى عليه ليلها من سخط وكدر فأجابت في فتور: صباح
الخير.
قال في نشاط وحيوية: أعددت لك طعام الإفطار سيدتي الجميلة وسأنتظرك
في الشرفة.
ضحكت في سعادة، انزلقت
إلى ارض الغرفة المفروشة بسجاد داكن الحمرة، اتجهت صوب المرآة، ولما انتهت من
تمشيط شعرها اقتربت في خفة من الشرفة وقد أظهرت نحافتها بيجامة بنية.. ومراد منكب
على قراءة الجريدة، أطلت من بين ستائرها تريد مداعبته، وقد افتر ثغرها عن ابتسامة
صافية، ألقت بنظرها إلى ما يحوطهما من شرفات فانقلب وجهها عابساً وغاصت سعادتها في
ظلمة سحيقة، ارتاعت لرؤيتهن يسترقن النظر إليه في لهفة.. حتى هذه الفتاة الصغيرة وهذه المرأة أليست
متزوجة؟ كم صرت أكره كل الأبواب والنوافذ، كل الشرفات، لم يلحظها مراد، فعادت إلى فراشها
ثم هتفت قائلة: مراد حبيبي ألا يمكن أن نتناول إفطارنا في الداخل؟.
ـ الجو اليوم جميل يا هدى .
ـ مراد أخشى أن يصيبني برد أرجوك!
عندما وضع الإفطار أمامها رنت إليه قائلة في بعض الضيق: أغلق باب
الشرفة.
يذكرنها دائما بقبحها، تشعر وهي معه أنها ضئيلة، الغمز واللمز من
حولهما في كل المناسبات يشعرها بضآلتها وبعدم الرغبة فيها.. تجد أنها موضع
الانتقاد دوما والسخرية، أنها مغبونة محتقرة..
مضت
الأيام كالعاصفة وانقضت الليالي ساخطة، كانت كلما أوشكت أن ترشف كأس الهناءة كسرت
منها، امتد بصرها إلى أفاق مجهولة من التفرد والاختباء والانطلاق بعيدا عن العيون
المتربصة، لم تبال لحظة برغد الحياة، وكان كل ما حولها، الأثاث الشاهق البياض، الذي
اشتراه مراد من أفخم المعارض، والبساط العنابي الذي تغوص فيه الأقدام، والرخام
الفاخر، وهذه الأنتيكات التي لا يفتأ مراد يبتاعها من حين لآخر.
كانت تشاهد التلفاز حين ارتطمت قطرات المطر بزجاج النافذة، قامت
لتغلقها وأسدلت ستائرها ثم أضاءت أنوار البيت.. عادت بخطوات ثقيلة، توقفت عند زجاج
النافذة أسندت رأسها باكية، عاد خيالها إلى الوراء شهورا ربما في أوائل الخريف حين
سألتها سناء: حقا ستتزوجين مراد ؟!
قالت في سعادة غامرة: نعم بعد أسبوعين..
ـ انتبهي مراد أحباؤه كثيرون!
طافت بها هواجس كتلك يوما
ما زمنا ما لا تذكره، هل كان الكذب والخداع هو الحوار بيني وبين نفسي، هل عمت
عيناي عن الحقيقة، هل صدقت الوهم الجميل لأني أردت أن أصدقه؟ آه أتذكرين ذلك الحلم..
رأيت مراد يقبل على مادا ذراعيه، يوشك أن يحملني.. أراه يقترب بل أراني ابتعد،
تنطلق من حولي أصداء ضحكات معربدة فأضع يدي على أذني في خوف لماذا تجاهلت ذلك
الحلم ؟ لمَ أنكرتُ ما قالته سناء ؟ كيف تستحيل السعادة نقمة وغضبا؟!
لازمها تذمر دفين، حار
مراد في أمرها، ظن أن معاناتها بسبب تقصيره نحوها، ضاعف من اهتمامه بها، فكانا
يقضيان معظم الوقت في الملاهي والمطاعم.. بدا التساؤل فوق قسماته كسحابة تحجب وجه القمر،
كيف تبثه همومها، عن ماذا تخبره عن إخلاصه لها وتفانيه في إسعادها؟ عن رقيه وبهائه
الذي يلفت الأنظار، عن ذوقه ورقته، وأدبه الجم، طاعته المطلقة لها، عن حسنه ورجولته
التي تسحر قلوب النساء، وتلفت الأنظار أنظار الحسان؟ وما ذنبه ؟ أبت إلا أن تصمت
وتستدعي كل الذكريات الجميلة كي تمر الأيام والساعات، ولم تعد تتحين الفرص.
في صباح عبق برياح خفيفة
..
اتصلت به في الشركة فلم
تجده، ولم يكن ليترك عمله نهارا، فأعادت الاتصال وسألت سكرتيرته عنه.. أجابتها
بأنه " خرج للتو بصحبة السيدة سامية إلى كازينو لوران.
سامية؟ كازينو؟ رددت هذه
الكلمات ترديداً حائراً " سامية ألم تكن يوما مشروع زواج؟" ترى هل يسعفها
القدر بحجة هل تجد ما يؤكد شكوكها؟
عبرت ممرا تتدلى فوق
سقيفته أغصان اللبلاب، لمحتهما عن بعد.. بينهما حوار هادئ طويل.. خفق قلبها بعنف
وهي تقترب منهما.. باغتته بنظرة هازئة فأزاح نظارته الشمسية واقفاً ليرحب بها وأراد
أن ينبس ولكنها ولتهما ظهرها في غضب..
قاطعته في غضب قائلة: الحكاية هي أني اجلس في البيت انتظر زوجي
المخلص وأنا أظنه يعمل ليل نهار ولما ذهبت أرى عمله وجدته عملا شاقا عسيرا.. ثم
لوت شفتيها في احتقار.. فالجلوس مع امرأة جميلة وحب قديم عمل شاق ومتعب.
قال بنبرات جادة: أنت لم تفهمي الأمر على حقيقته دعيني أفسره لك!
قالت في ثورة: ماذا تفسر لي ؟ إني افهمه تماما ولا أريد تفسيرا لقد
رأيت بعيني!
ـــ سامية كانت تمر بمشكلة واحتاجت مساعدتي..
قالت في تهكم: مللت أعذارك ومبرراتك دائما تريد إقناعي أنك لم تخطئ
أبدا وأنك الملاك البريء.
نظر في وجهها مستنكرا سحنتها المكفهرة، وقال في ضيق: أنت تعطين
الموضوع حجما أكبر من حجمه!
ـ مراد حياتنا لا يمكن أن تستمر، لم أعد أستطيع أن أتحمل أكثر من
ذلك، اذهب إليهن، أنا لا أريد أن أبقى معك.
ـ يبدو أنك عصبية جدا الآن ومتوترة سأتركك حتى تهدئي.
همّ بأن يتركها، فقالت في حدة: أنا في منتهى الهدوء.. أرجوك أريد الطلاق.
حملق في وجهها: لا أرى سببا لهذا ـ ساخرا ـ وأنت تعلمين أن شكوكك
لا أساس لها لست الرجل الذي يخون زوجته، ولكنك تريدين أن تجعلي من الحبة قبة
كعادتك دائما!
شخص بصرها إلى لا شيء فاستعاد مراد هدوءه: إن كنت لا تصدقيني اتصلي
بسامية لتخبرك الحقيقة
لا
تدري إن كانت تعانده أم تعاند نفسها.. تنتقم منه أم تنتقم من نفسها.. كأن شيطانا
يقودها إلى حتفها وهي راضية مستسلمة..
أزاح مراد الستائر عن النافذة الزجاجية، تأمل المدينة الساكنة وقد
حجبت عنها الغيوم أشعة الشمس، فأضاءت المصابيح المساكن والشوارع ببريق خافت، وإذا
برياح باردة ترسل أمطارا فتزيل أدراناً في الأفق وغبارا.
طلبت الطلاق في لا مبالاة وفي خفة لهفوة جعلت منها ركاماً من الخطايا،
أصرت بحدة، خشيت أن تتراجع، فاقت جرأتها كل تصوراتها، وكأن جميع حاسديها يساندونها
في مطلبها، استعان مراد بشقيقتها وبعديله محمود ليمنعاها عن التفكير في ذلك واتخاذ
قرار في أمر لا يستحق. أبت أن تخفق، لجت في العناد والمكابرة، وما زالت به حتى
طلقها..
طلقها غير نادم، غير حانق، لم يعد يكبد نفسه مشقة التفكير في علة
ما حدث كان قد هيأ نفسه على أن يخلص لها مدى الحياة، ولكنها كانت كمن يحمل جوهرة غير
مصدقٍ أنها حقيقية.
لم تتلوث مشاعره بالأغراض الدنيئة وبالرغبات المحرمة ولم تحلق
بخياله رغبة آثمة أو غواية آمنة، كان صافيا خالي البالي صفر المشاعر إلا من إخلاص
لها.
أخبرتها نجوى أن مراد تزوج وسافر إلى أوروبا، لم تكترث إذ رمت
بالذكرى بعيدا عن خاطرها، وبعد بضعة شهور تزوجت هدى من دياب محاسب أسمر مجعد الشعر
بارز القسمات، متوسط الطول، وفي شقتها الجديدة نعمت بسعادة هانئة وبصفاء ضحكات،
ولاح الماضي سحيقا يطمره رماد، ولكن أمارات تتسلل إلى أعماق القلب فتزعزع يقينا
وتدمر أحلاما، وتدق أبواب السعادة بعنف، إذ كان دياب ضحوكا منطلقا ومتقلباً تتغير
قسماته لأتفه الأسباب تنم عن قسوة وتجهم.
في مساء يعتريه ملل.. نهضت لتحضر المائدة، ثم جلسا يقضيان سهرتهما مع فيلم عربي..
تصب القهوة وهي تتأمل سيارة بيضاء، أثنت ركبتيها فوق الأريكة وانسال
تساؤلها بعفوية: ما رأيك أن نشتري سيارة ؟
نظر إليها في تهكم قائلا: أنت تحلمين!
انتفضت الذكرى كأن حجرا ألقي في ماء آسن، حيث عرض عليها مراد أن
يشتري لها سيارة ولم تبالِ، تنكر وتر الذكرى حين اهتز وتتطلع إلى أفق أكثر اتساعا،
وتنتظر آملة أياما أكثر رحابة، بلا أنفاس لاهثة... بلا خطوات مقيدة، تفقدت شيئا لا
معالم له وازداد الأفق ضيقا، بينما تنقضي الأيام في صرامة وحزم والليالي في وحدة
وملل.
وهما يتناولان إفطارهما،
قالت وهي تقلب الشاي: ألن تعود اليوم مبكرا يا حبيبي؟
قال في لامبالاة: لا.. لم ؟
قالت برجاء: أمل من الجلوس كل ليلة بمفردي!
أشعل سيجارا وهو يقول: في يوم عطلتي سأسهر معكِ، أما باقي الأيام تعلمين
أني مشغول.
قالت في استياء: أي عمل هذا، أنت لا تأتي إلا للغداء ولا أراك
بعدها إلا في اليوم التالي؟!
ابتسم قائلا في نبرات ممطوطة: ماذا تريديني أن أفعل؟ أجلس معك في
البيت ليل نهار؟!
ـ دياب لا تهزأ بي..
ـ سلام..
تلفح حرارة الصيف الوجوه فتمتزج رائحة العرق بشهيق ناقم وزفير خانق،
تتوق للحظة استرخاء دائمة، ولوسادة تطرح عناء القلق، وتضيق القاهرة الواسعة، تضيق
بالبشر، بأنفاسهم، كانت كمن يجدف بيديه وهي تحاول النزول من الحافلة، استخلصت
نفسها من بين الأجساد المتلاصقة في وجوم وسأم، بعد نزولها قالت: أخيرا !
وضعت حقيبتها السوداء
فوق كتفها وهي تنظر نحو الطريق المكتظة بالسيارات لتعبرها إلى الجانب الآخر، الشمس
حارقة والجو خانق، نظرت في ساعتها فكانت الثالثة عصرا موعد عودة دياب من عمله،
فاتسعت خطاها.
جاء صوتها متفائلا من المطبخ، وهي تقول: دياب: هل حضرت ؟
أجابها بصوت قوي: نعم أنا هنا.
اتجهت بعباءتها الواسعة نحوه، كان مسترخياً فوق أريكة واتكأ قليلا
ليشعل سيجارا..
ـ مساء الخير حبيبي..
ـ نعم، ساعة واحدة ويكون جاهزا.
صاح غاضبا: قلت لك مائة مرة إنك لابد أن تجهزي الغداء قبل حضوري
أجابت في تردد: ماذا أفعل، المواصلات كانت مزدحمة وجئت متأخرة.
ـ لا شأن لي بذلك، لا تفعلي شيئا، سأخرج.
تساءلت: إلى أين؟
أغلق الباب وراءه بعنف فارتجت شراعاته الزجاجية.
رفعت جذعها عن البلاط
الترابي اللون لتمسح عرقا عن جبينها ولتأخذ نفسا عميقا تواصل به عملها الشاق ما
بين غسيل وتنظيف وترتيب وكي، دارت أيامها في حلقة مفرغة، عملها في الصباح وواجباتها
المنزلية في المساء، تطل شرفتها على بيوت قديمة، خرجت لتنشر ما قامت بغسله من
ملابس.
اليوم عطلة تذوقت لذة الكسل والخمول والدعة فهذا اليوم يحمل أريج
أيام تعرفها.. مدعوة هي ودياب اليوم على الغداء عند نجوى، فوجئت بدياب يرتدي بدلته
السوداء ويقف أمام المرآة وهو يعقد رابطة العنق فرفعت رأسها قليلا وهي تتثاءب وقالت
بصوت خافت:
ـ ألسنا مدعوين على الغداء اليوم؟!
قال وهو يمشط شعره: اذهبي أنت سأخرج أنا لدى موعد هام.
ـ ستخرج ؟! اليوم عطلة إلى أين أنت ذاهب؟!
قال وهو يتعطر: عندي شغل يجب أن أنتهي منه.
قالت في غضب: شغل.. شغل كل يوم أليست له نهاية ؟ كيف أذهب إليها
بمفردي.. ماذا أقول حين يسألاني عنك؟
ـ أخبريهم إني مشغول قالها وهو يتجه نحو الباب ثم استدار قال وهو
يغلقه مبتسما: إلى اللقاء
لاذت بالصمت واستسلمت وصدرها يحترق كدرًا..
لم تدهمها يوما أحاسيس كتلك التي تشعر بها وهي في شقة شقيقتها.. المقاعد
الوثيرة الرخام الأبيض الناصع، الجدران بزخرفتها الستائر المسدلة والشرفات الواسعة،
أقبلت نجوى وهي تدفع أمامها عربة الشاي ثم سألتها
ـ ما أخبار دياب؟
ـ بخير.
ـ بخير.
رنت نجوى إليها وهي تقول: هل تعرفين أين يقضي وقته؟
ـــ في عمله دائما، يقابل
عملاء.
هزت رأسها نافية: عملاء؟!
لا أظن.
تفرست في وجهها قائلة: ماذا تقصدين؟
قالت
بتردد: أقصد.. صمتت هنيهة ثم قالت: هدى يجب أن تعرفي الحقيقة ولا أقبل أن أتركك
مخدوعة من دياب كل هذا الوقت.
ـ دياب كل يوم مع واحدة.
حدقت في فناجين الشاي كأنما تتوسل لومضة من الماضي أن تبقى ان تعود
التصقت شفتاها تود أن تصرخ ولكن شيئا ثقيلا يزحف لا لون ولا اسم له، تهدج صوتها
تبعثرت الحروف في خيبة:
ـ رأيته ؟!
ـ كثيرون رأوه وأخبرونا .
ألحت في يأس: هل رأيته بنفسك ؟
قالت في تسليم: نعم
ما
بال العذاب غير مؤلم كأن النفس تستعذبه؟ ما بال الخيبة عظيمة، والصقيع قارس، والأمس
البعيد شاخص حاضر يلوح في غمضة سحرية من الدفء والحب، الريح تتشبث بأستار ممزقة
واضع يدي فوق أذني فتعربد أصداؤها في هلع.!
نشر الأفق أجنحة سوداء فتخلو الطرقات والشوارع من المارة، وتلفعت
المدينة بسكون مظلم وتوشك قطرات المطر أن تمزق شغاف القلب.. الحنين يملأ الفراغ
الغرف والأركان.. تضيء أنوار شقتها الباردة، لا شيء يبعث أمنا في الأطراف
المرتجفة، ولم تجد ما يبدد برودة تنخر العظام، استلقت فوق الفراش البارد، جذبت
الغطاء، ثم نهضت إلى صوانها لتبحث عن شيء ترتديه، توقفت يدها عند معطف من الفراء
كان قد اشتراه لها مراد، ظلت تمسح بيدها عليه، وتفيض عيناها بالدمع فلا تراه،
ارتدته مغمضة العينين كأن الماضي لم يرحل كأنه مازال يحنو عليها، كأن الحب لم تجف
ينابيعه ولم تنضب كأن قسوته لم تحاربها..
" ماذا تطلبين للعشاء؟ .. كما تحب... أنا أحبكِ أنتِ، أنتِ
حياتي وروحي"
انثنت لتمسك بزجاجة عطر
متوجة بوردة زرقاء.. ينطلق بصرها حثيثا حيث الأسواق العامرة بالمرح والصخب، النسيم
يوسوس إلى الأغصان ويداعب أو راق الشجر.. أيقظ الحواس شذاها وأضرم الفؤاد نيران
الشوق واللهفة فتنتحب في ألم.. اليوم تستجدي المشاعر.. تستجدي العطف والحب.. ها هي
الملاهي والنوادي والمطاعم التي حملتني إليها تتذكرك وها هو قلبي يسأل عنك باكياً،
والحنين ينوء به كاهلي!
تُرى هل كان ما بها مس من
الجنون؟ عجبت لحماقة الأوهام وتفاهة الأسباب وسهام الحب التي أطلقت فيها رصاصات دامية،
ودت لو تراه فتخبره بأنها نادمة ولكن يعجزنا النطق أحيانا بكلمات عاجزة عن وصف ما
نعانيه.. ما عرفت السعادة إلا مذ عرفت هواك، وما ذقت كأس المر إلا مذ فارقتني! ما أدركت الحب إلا بعد فقدك..!
كلما جاءها الشتاء تتذكر
شهورا دافئة ولمسات حانية كان يقدمها دون أن تطلبها.. في غب الليل الطويل تستيقظ
فزعة ودموع تختنق بها عيناها وتغمغم في لوعة: مراد؟ تنظر حولها فلا تجد دياب
بجانبها.. إنه لم يحضر بعد!.


.jpg)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق