ظل
ينتظر الطبيب، أطل عليه كائن هلامي لم يستطع أن يستبين ملامحه:
ـ
أنت الطبيب ؟
ـ
نعم أنا..
قال
وهو يزيح ياقة قميصه ويفك أزراره: إذن أنقذني من هذا الاختناق ؟
ـ سأنقذك بأسرع مما تظن، فأنا قرينك الذي قضيت حياتي في خدمتك.
ـ
قريني، مهتم بي طوال حياتي..ولكني لم أرك من قبل.
برقت عينا القرين وهو ينظر في وجهه قائلا: أنا
مكتوب بين عينيك لو كنت تقرأ الجبين لرأيت رسمي فوق جبينك، لا أفارقك إلا عند
الموت، إني انتظر خروج روحك من جسدك لأكون قد أنهيت وظيفتي معك فأنتقل إلى غيرك..
ـ
جئت تخرج روحي أم تعالجني؟ لست أفهم!
فغر
فاه عن بقعة سوداء: قلت لك إني مهتم بك، فأنا قرينك الذي رافقك طيلة عمرك، قمت
بعمل دراسات عليك، درست كل خلية في جسمك وفي عقلك وفي بدنك، مداخلك ومخارجك جميعا،
أعرف كيف ادخل وكيف أخرج منك، وأعرف نقاط ضعفك وقوتك.
تغيب
صورته وتظهر مثل شاشة هلامية:نعم هذه هي مهمتي، أنا أعلم بك منك، بدراستي تلك أعرف
ما سيصيبك من أمراض وكيف أقودك إلى هلاكك، ومتى تكون قادراً على النّجاح فأحبطك
ومتى تكون عاجزا فأتركك.. ولا أبذل كبير عناء في تنحيتك عما يفيدك، أتذكر ذلك
اليوم الذي أردت فيه أن تتزوج من تلك الشقراء الناعسة، كنت أصرخ رعباً وخوفاً من
إقدامك على الزواج منها، أو شكت أن تصبح جنتك في الحياة فكيف تعيش في الجنة وأنا
في قيد النار؟ أنت تتزوج هذه الصبية الطيبة، على ناري أن تصل إلى مرادك عجزت عن
صرفك عنها فدلفت إليها لأكرهها فيك، وأجعلها ترى عيوبك وأخطاءك، أو تظنني ألهو إني أعمل بجد، أنت عملي ومصدر رزقي،
لقد ترقيت بسبب نجاحي في تعطيلك وتدمير حياتك وأطمع في ترقيات أكبر.
مد
السيد فايز يديه في الهواء متألماً متحسراً، وقال بحرقة عاجز:آه يا ويلي.. ليتني
رأيتك وجهاً لوجه لكنت قتلتك، ليتك تواجهني فأمزقك، أرنيه يارب حتى أقتله ألف مرة،
وأخنقه بيدي ضيعني، ضيعني يا الله وافقدني مالي وحالي وشتت شملي وفرق جمعي وآل بي
إلى الفقر والذل.
حلق
القرين فوق رأسه هازئاً: تخنقني؟ وهل أنا مثلك من طين عفن، إني خلقت من نار وما
لمثلك أن يراني أو يلمسني، تخنق شيطانك
العامل على كل خطيئة والحاض والمشجع على اقتراف كل إثم؟ عليك أن تشكرني لأني لم
أكن أستريح الا عندما أتركك على باب الخمارة، وعندما أعلم أنه لا فائدة من سعيك،
وعندما تدخل المسجد لتصلي أشغلك لأصرفك عن الصلاة ولا يصادفني راحة إلا إذا صليت
ووضوءك باطل فأعلم أنه لا فائدة من صلاتك فألهو وأمرح، إن عملي شاق ولا راحة فيه
أنت وحدك الذي تمنحني الراحة عندما تيسر على أمور ضلالك.
ـ
كف عن الدوران حولي.
ـ درست كل شيء يتعلق بك، ماذا تحب، ماذا
تكره، كيف أقنعك بما لا تريده، وأبعدك عما فيه خيرك، كيف أجعلك تخسر أموالك، وأدخل
عليك الهمّ والغمّ والقنوط والحنق، وأملؤك بالحقد والغل والضغينة والحسد.. أتذكر
تلك الأرض التي سعيت لشرائها لقد كنت أركل وأضرب قدمي في الأرض خوفا وجزعا من أن
تشتريها، سيصبح ثريا، سيتركه الفقر كنت أعلم أنها ستجلب ملايين الدولارات لذا صرفتك
عنها، وارتاحت نفسي بانصرافك ذاك وهدأت ناري كنت على وشك أن أخسر منصبي لو أنك
اشتريتها.. بفضلك نلت أكبر المناصب، امتلأت وصرت قويا لأني أشاركك كل ما تأكل بل
آكل أكثر منك، فأنت وهبتني نعمة أشكرك عليها وهي أنك لا تذكر اسم الله فأبتهج وآكل
بفرح ونشوة.
ـ
إذن أنت أيها اللعين وراء ما حدث من مصائب وكوارث في حياتي أنت من كنت تدفعني إلى
الضلال!
ـ
نعم، وتعلمت كيف أدفعك إلى الحرام وإلى الخطيئة بكل مهارة وكيف أبعدك عن الطريق
المستقيم وعن النجاح في حياتك بكل ما أوتيت من قوة.
ـ
لا أصدق، عجيب حبك لإيذائي!
ـ
لكم تمنحني شرفا عظيما إذا خنقت نفسك الآن، أن تموت منتحرا إنه أفضل إنجاز سأحصل
عليه في هذه المهمة، آه لو تفعلها فأحصل على منصب كبير العتاة، سيصبح لي خدام
وجنود وسيكون تحت إمرتي ألف عفريت ! ليتك تفعلها وتسدي لي هذا المعروف.
ـ
أي معروف ولم لا تسدي لي أنت معروفا وترحل عني وتتركني ؟
ـ
لا أتركك قبل أن تتركك نفسك، سأغتم إذا نجوت، يؤلمني أن أراك سعيدا منشرح الصدر،
ويقتلني الغم والكدر إذا نجحت في شيء وكم أفرح عندما تصيبك مصيبة أو توشك أن تقبل عليك، ألم تشعر بفرحي ذاك، ألم
تشعر بسعادة تسبق مصائبك دائما ألم تكن تنتابك نوبات فرح هائجة؟ إنه فرحي أنا لأني
أعلم حقيقة ما أنت مقدم عليه.
ـ
نعم، أذكر فرحي الشديد عند توقيعي ذلك العقد المنحوس وتلك الشيكات التي دمرت
حياتي، كان فرحا غبيا مني، أنت لم تضيعني
بل أضاعني غبائي وحمقي.. يالي من غبي، لو أعود إلى قوتي وعافيتي، أبقني يا الله
بضع سنوات بل عاما واحدا حتى أمحو جرائر الأيام.. أكفر عن الآثام.. حتى أبكي على
أعتابك يا الله نادما، أبقني، لا تقبض روحي..
همس
القرين في أذنه ضاحكاً منتشياً:
ـ جنودي يؤدون عملهم في تأخير سيارة الإسعاف
عنك.. اليوم أنت ذاهب إلى الجحيم ولا مغفرة لك.. فات أوان التوبة.
حرك
فايز يده ورأسه في كل اتجاه متألما: لعنة الله عليك.. لعنة الله عليك... ياليت
بيني وبينك بعد المشرقين، بئس القرين أنت.
حملت سيارة الإسعاف السيد فايز.. بعد
محاولات مضنية من الأطباء تم إنقاذه من براثن الذبحة الصدرية.. نصحوه بالابتعاد عن
مهيجات الذبحة.. أبدى ندمه على ما فات بضعة أيام ونوى الاستقامة.. قاطع الهلس
أياما وسرعان ما عاد إلى سيرته الأولى..
لم يتذكر من أمر القرين شيئا سوى أنه كابوسٌ لعين..
ـ2ـ
بعد عدة أعوام.. قرر السيد فايز أن يتزوج
وينجب.. فتزوج وأنجب ابنة سماها فاطمة.. أحبها حباً شديداً.. أصبحت نور حياته الذي
يبصر به، كانت براءتها تخطف فؤاده، وتشعره بدناسة أفعاله وحقارته، وكلما كبرت
فاطمة زاد إيمانه، وما إن ترى بيده كأس من الخمر، حتى تقترب منه وهي تحبو لتزيحه
بيدها الصغيرة، فيحملها ويجلسها في حجره وينسى شرب الخمر، وكلما كبرت طفلته قلت كبائره،
وابتعد شيئا فشيئاً عن المعاصي.. حتى أتمت ابنته ثلاث سنوات. وفجأة ماتت فاطمة..
واراها الثرى ولم يستطع الصبر على فراقها فعاد أسوأ مما كان.. وتلاعب به الشيطان..
خيرته زوجته بينها وبين خمره وكأسه، فاختار أن يبقى كما هو، يمضي صباحه في النوم،
وليله في السكر والخمر.
وذات يوم قال له قرينه: " لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من
قبل" فعزم أن يشرب الخمر وظل طيلة الليل يشرب ويشرب ويشرب...
بعد عودته من الحانة، دخل بيته وهو يترنح، ألقى
بجسده النحيل فوق الأريكة، لم يشعل ضوء بيته البارد، جلس في الظلمة، يتمايل بجانبه
ضوء خافت قادم من غرفة فاطمة، ولما تذكرها بكى بكاء مريرا لفقدها..
شعر
بوخز في صدره وضيق تنفس، أزاح قميصه عن عنقه، اعترته أعراض الذبحة مرة أخرى، ونسي
ما كان من أمر توبته في الذبحة الأولى التي نجا منها، ولكنه لن ينجو من براثنها في
هذه المرة.
تراءى له وجه القرين، بذل جهدا لتذكر أين رآه من
قبل، وسرعان ما انقلب القرين إلى وجه جميل:
ـ
أنا ربك ألا تراني، اسجد لي واشكرني وأنا سأبقيك، ولن أقبض روحك..
عاودته
ذكرى ذبحته الأولى، فتذكر وجه قرينه، إنه ذلك الذي رآه من قبل، وأنسته الأيام حقده
وعداوته، لا يدري كيف نسي عدوه اللدود الذي أهلكه وساقه في طريق الضياع، كيف أو هم
نفسه بأنه كان كابوسا، وتجاهل خططه ومكره واعترافاته.
أشاح
بوجهه مشمئزا: انصرف عني أيها اللعين، أعرفك.. كيف تبدلت.. أتريد لي الكفر؟.. أنت
اللعين..
ـ
بل أنا ربك..ألا تدعوني الآن سأستجيب لك وأمنحك عفوي وغفراني فقبل يدي واسجد لي
وقل لي لا إله إلا أنت.
ـ
انصرف عني.. أغثني يا الله أنا الضعيف اللاجئ ببابك..أغثني من اللعين..
اختفى
القرين محلقاً، ابتلعه سقف البيت، وإذا بالسيد فايز يبصر ابنته واقفة أمامه، في
طفولتها البريئة، وجمالها السماوي، مد يده متشوقاُ ليضمها إلى صدره، فعجز عن رفع
جذعه، كان ثقيلا محموماً كأنما يرزح جسده تحت أكوام من الرمل، بدت أمامه طفلته
الحبيبة.. جاءته في ثياب ناصعة البياض، لتؤنبه قائلة:
ـ
ماذا بك يا أبي إنه ربك لم لا تشكره وتسجد له؟
ـ
من ؟ فاطمة .. كيف عدت ؟
ـ
نعم أنا فاطمة يا أبي.. صدقني إنه الحق.. آمن به يا أبي.
ـ
عمن تتحدثين..؟
ـ عن ربك.. انظر إليه كم هو جميل يا أبي!
ـ
أترين ذلك يا ابنتي؟
ـ
نعم يا أبي.. صدقه.
تردد برهة، ثم قال: لا، ليس هو.
ـ
لا يا ابنتي إنه اللعين الذي أضلني.. إنه ليس ربي.
اختفت
طفلته عن عينيه وما زال يمد يده متشوقا لأن يحتضنها. تلون القرين مرة أخرى ليظهر
في صورة أبويه، حدثته أمه المسكينة بنبرتها الحانية:
ـ
ماذا بك يا ابني لم لا تسجد لربك لم لا تشهد به؟
ـ
لا يا أمي إنه ليس بربي.
فقال
أبوه:
ـ
بل ربك يا بني، آمن به.
ـ
حتى أنت يا أبي ! جميعكم تريدونني أن أكفر ؟!
ـ
استغفر ربك يا ابني.
ـ
ليس بربي.. اتركوني.. ارحلوا عني.
ـ
كيف يتركونك؟ لما لا تصدقهم؟.. أتكذب ابنتك وهي في الجنة ووالديك وهما أحن الناس
عليك ألا ترغب في دخول الجنة؟
ـ
نعم أرغب.
ـ
إذن اسجد لي وقل لي لا إله غيرك.
ـ
بل ألعنك واستغفر ربي واسأله العفو.. أسأله أن ينتقم منك.. أن يرفع غضبه ومقته
عني.. ليت السنين تعود فأبصق عليك كل يوم.. ولا أفعل شيئا غير السجود لله
والاستغفار والعبادة.
قال القرين ساخراً: فات أوان الاستغفار،
فقد اخترت غوايتك بنفسك، ولا تلقي باللائمة علي فأنا بريء منك... إبكِ ما شاء لك
البكاء فلن تسعك بعد اليوم أرض ولا سماء..
عضّ
أصابع الندم وهو يردد:
ـ
آه.. أيها القرين اللعين! ليتني أعود فأقهر غبائي وأترك شهواتي وأتوب عن المعاصي..
ليت العمر يعود من جديد فأصلح ما فات.. أفعل هذا ولا أفعل ذاك، ليت قدمي قطعتا قبل
أن تمشي في الخطيئة... ليت يدي بترت قبل أن تضرب وتسرق.. ليت لساني لم ينطق
بالكفر.. ليت جوارحي لم تفعل شيئا غير عبادة ربي.. ليتني كنت تراباً.. كيف يعود
العمر.. هل من كرة أخرى؟.. كرة أخرى يا الله... امنحني هذه الأمنية.. هبني إياها..
أتوسل إليك...أعدني.. أرجعني أعمل صالحاً.. الدموع تخنقني والندم يمزقني. أما من
عودة ؟ بضعة أيام. وكيف تعود الأيام.. كرة واحدة يا الله.. كرة واحدة.
ـ3ـ
بُعث السيد فايز إلى يوم الحشر، أظلمت الشمس،
وزلزلت الأرض، سيرت الجبال، واشتعلت البحار ناراً.. وجمعت الأمم إلى أرض المحشر..
الناس أمم لا حصر لها.. تلوح رؤوسهم في الأفق كرؤوس النمل.. سواد عظيم يزحف كبساط
من الموج.. هؤلاء هم البشر الذين كانوا يحيون فوق الأرض.. هؤلاء الناس الذين كانوا
يتصارعون ويتقاتلون في الدنيا؟ كلٌ اليوم في شأن يغنيه.. يناديهم المنادي فردا
فردا، ليقرأ كتاب كل منهم وتعرض أعماله، فتسود وجوههم عند قراءة صحائفهم، والسيد
فايز بين الناس، غارق في زحام البشر، حتى نودي: "السيد فايز هلم للعرض على
الجبّار" ارتعدت فرائصه، تحول وجهه إلى سواد شديد لشدة خوفه، وإذا بالبشر
يختفون من حوله وكأن لا أحد في أرض المحشر.. وفوجئ بإخطبوط عالٍ ضخمٍ يقفز نحوه
فاتحا فمه. فجرى هلعا ورعبا، تلفت في كل اتجاه حتى وجد شيخاً ضعيفاً، فرجاه قائلا:
أغثني من هذا الوحش.
جرى
حيث أشار له وإذا بالنار تلقاء وجهه والإخطبوط خلفه.." أأهرب من الوحش لأسقط
في النار" فعاد يجري مسرعاً، والإخطبوط يتلوى ناثرا أذرعته، فعاد للرجل
الضعيف واستغاث به: "بالله عليك أنجدني أنقذني".
بكى الشيخ رأفة بحاله، وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن اجر تجاهذلك الجبل لعلك تهرب.
جرى للجبل، والثعبان يفغر فاه لالتهامه، فرأى على الجبل أطفالا صغاراً وإذا بالأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك.. أدركي أباك.
نظر فرأى ابنته تطير نحوه.. وهو ميتٌ من شده الخوف فدفعت الإخطبوط بيدها اليمنى وأخذت أبيها بيدها اليسرى، عجب لقوتها ولقدرتها على الإمساك به، وفرح برؤيتها وبنجدتها له في ذلك الموقف العصيب.
بكى الشيخ رأفة بحاله، وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن اجر تجاهذلك الجبل لعلك تهرب.
جرى للجبل، والثعبان يفغر فاه لالتهامه، فرأى على الجبل أطفالا صغاراً وإذا بالأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك.. أدركي أباك.
نظر فرأى ابنته تطير نحوه.. وهو ميتٌ من شده الخوف فدفعت الإخطبوط بيدها اليمنى وأخذت أبيها بيدها اليسرى، عجب لقوتها ولقدرتها على الإمساك به، وفرح برؤيتها وبنجدتها له في ذلك الموقف العصيب.
جلست فاطمة في حجره كما كانت تجلس في الدنيا.
بدت عليه الحيرة فسألها: يا بنيتي أخبريني عن هذا الوحش، لم يلاحقني؟
ـ
هذا عملك السيئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك.. أما عرفت يا أبي أن الأعمال
في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة؟
ـ
وذلك الشيخ الضعيف؟
ـ
ذلك العمل الصالح.. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لك شيء
ولولا أنك أنجبتني ولولا أني مت صغيره ما كان هناك شيء ينفعك.
مكث السيد فايز
محتضناً طفلته الصغيرة لم يسقط في جحيم النار ولم يرق إلى نعيم الجنة [1].



