البكاء مع قطرات المطر .. قصة قصيرة .. علا حسان
أتذكركَ على البعد
فأشمُ رائحةَ الورد..
وأصغي إلى ضربات الثلج
ودقات القلب..!
وأنتَ على البعد السحيق هناك حيث دول أخرى تغتسل طول العام بالبرد وترتدي الثلوج البيضاء فأتجه نحوك بخيالي لأراني بالقرب منك ، من ذلك الإحساس الجميل بالطبيعة اللامعة التي أعشقها ! بالقطارات النظيفة التي تحملك كبساط الريح من دولة لأخرى، بالدفء البارد الذي يسري في الجسد فيحيل كل شيء إلى برودةٍ منعشة ، بعيدا عن القيظ والهجير .. عن الوحدة والألم والعذاب ..
وحدتي بدونك ..
عذابي في البعد عنك ..
غيرتي من الثلج والمطر ..
والقطارات التي تحظى بك..
وأصغي إلى ضربات الثلج.. ودقات القلب..!
ندت عن قسماتها في صمت الليل القلق أصوات مبهمة كأنما تخاطب نفسها، ومراد يغط في نوم هادئ عميق ، راح خيالها يكاشفه بما في مكنون نفسها ، بأفكارها المحمومة، تتصوره مخطئا لتجد شتى مبررات السخط والغضب ولكن نهرا باردا يحول بينها وبين أمنيتها المفزعة ، تركت الفراش الوثير ومضت إلى الصالة الواسعة.
أضاءت أباجورة عاجية اللون تنتصب فوق ساق لولبية، استلقت فوق أريكة ناعمة بجوار المدفأة ، تعبث أناملها بأوراق الزينة الخضراء ، ودت لو يفارقها السخط وينطوي الليل بلا كدر .
استيقظ مراد مبكرا كعادته ، لم يرد إزعاجها ، بادر إلى إعداد طعام الإفطار ، شعرت به، أدارت عينيها في الغرفة الواسعة ، وقد ثقل رأسها بدوي فارغ ، شعرت بخطواته الخفيفة فخاطبت نفسها قائلة: كم هو رقيق وديع، جلست في الفراش وراحت تتخلل خصلات شعرها بأصابعها كأنما لتطرد عنها ذلك الفيض المتلاطم من المشاعر المتناقضة ،
اقبل وهو يحمل طعام الإفطار تأملته في غبطة وسرور ، وقال بصوته الدافئ:
ـ صباح الخير حبيبتي ..
أحست وخزا لما انطوى عليه ليلها من سخط وكدر فأجابت في فتور: صباح الخير
قال في نشاط وحيوية:
ـ أعددت لك طعام الإفطار سيدتي الجميلة وسأنتظرك في الشرفة .
ضحكت في سعادة ، انزلقت إلى ارض الغرفة المفروشة بسجاد داكن الحمرة، اتجهت صوب المرآة ، ولما انتهت من تمشيط شعرها اقتربت في خفة من الشرفة وقد أظهرت نحافتها بيجامة بنية .. ومراد منكب على قراءة الجريدة ، أطلت من بين ستائرها تريد مداعبته ، وقد افتر ثغرها عن ابتسامة صافية ، ألقت بنظرها إلى ما يحوطهما من شرفات فاربد وجهها عابسا وغاصت سعادتها في ظلمة سحيقة، ارتاعت لرؤيتهن يسترقن النظر إليه في لهفة .. حتى هذه الفتاة الصغيرة وهذه المرأة أليست متزوجة؟ كم صرت أكره كل الأبواب والنوافذ ، كل الشرفات ، لم يلحظها مراد ، فعادت إلى فراشها ثم هتفت قائلة :
ـ مراد حبيبي ألا يمكن أن نتناول إفطارنا في الداخل؟
ـ الجو اليوم جميل يا هدى!
ـ مراد أخشى ان يصيبني برد أرجوك.
عندما وضع الإفطار أمامها رنت إليه قائلة في بعض الضيق:
يذكرنها دائما بقبحها ، تشعر وهي معه أنها ضئيلة ، الغمز واللمز من حولهما في كل المناسبات يشعرها بضآلتها وبعدم الرغبة فيها .. تجد أنها موضع الانتقاد دوما والسخرية ، أنها مغبونة محتقرة ..
مضت الأيام كالعاصفة وانقضت الليالي ساخطة، كانت كلما أوشكت أن ترشف كأس الهناءة كسرت منها ، امتد بصرها إلى أفاق مجهولة من التفرد والاختباء والانطلاق بعيدا عن العيون المتربصة، لم تبال لحظة برغد الحياة ، وكان كل ما حولها ، الأثاث الشاهق البياض، الأنتريه الذي اشتراه مراد من أفخم المعارض ، والبساط العنابي الذي تغوص فيه الأقدام ، والرخام الفاخر ، وهذه الانتيكات التي لا يفتأ مراد يبتاعها من حين لآخر.
كانت تشاهد التلفاز حين قرعت قطرات المطر زجاج النافذة ، قامت لتغلقها وأسدلت ستائرها ثم أضاءت أنوار البيت .. عادت بخطوات ثقيلة ، توقفت عند زجاج النافذة أسندت رأسها باكية، عاد خيالها إلى الوراء شهورا ربما في أوائل الخريف حين سألتها سناء :
ـ حقا ستتزوجين مراد ؟!
قالت في سعادة غامرة :
ـ نعم بعد أسبوعين..
ـ انتبهي مراد أحباؤه كثيرون!
طافت بها هواجس كتلك يوما ما زمنا ما لا تذكره ، هل كان الكذب والخداع هو الحوار بيني وبين نفسي ، هل أعميت عيناي عن الحقيقة، هل صدقت الوهم الجميل لأني أردت أن أصدقه؟ آه أتذكرين ذلك الحلم .. رأيت مراد يقبل على مادا ذراعيه، يوشك أن يحملني .. أراه يقترب بل أراني ابتعد ، تنطلق من حولي أصداء ضحكات معربدة فأضع يدي على أذني في خوف لماذا تجاهلت ذلك الحلم؟ لم أنكرت ما قالته سناء ؟ كيف تستحيل السعادة نقمة وغضبا؟!
لازمها تذمر دفين ، حار مراد في أمرها ، ظن أن معاناتها بسبب تقصيره نحوها ، ضاعف من اهتمامه بها ، فكانا يقضيان معظم الوقت في الملاهي والمطاعم .. بدا التساؤل فوق قسماته كسحابة تحجب وجه القمر، كيف تبثه همومها ، عن ماذا تخبره عن إخلاصه لها وتفانيه في إسعادها ؟ عن بهائه وسموه الذي يلفت الأنظار، عن ذوقه ورقته ، وأدبه الجم ، طاعته المطلقة لها، عن حسنه ورجولته التي تسحر قلوب النساء ،وتلفت الأنظار أنظار الحسان ؟ وما ذنبه ؟ أبت إلا أن تصمت وتستدعي كل الذكريات الجميلة كي تمر الأيام والساعات ، لم تعد تتحين الفرص.
ذات يوم اتصلت به في الشركة فلم تجده، ولم يكن ليترك عمله نهارا، فأعادت الاتصال وسألت سكرتيرته عنه .. فأجابتها بأنه " خرج للتو بصحبة السيدة سامية إلى نادي لورانا.
سامية؟ نادي لورانا ؟ رددت هذه الكلمات ترديدا حائرا ناقما " سامية الم تكن يوما مشروع زواج؟" ترى هل يسعفها القدر بحجة هل تجد ما يؤكد شكوكها ؟
عبرت ممرا طويلا معروشا بأغصان اللبلاب ، لمحتهما عن بعد.. بينهما حوار هادئ طويل .. خفق قلبها بعنف وهي تقترب منهما .. باغتته بنظرة هازئة فأزاح نظارته الشمسية واقفا ليرحب بها وأراد أن ينبس ولكنها ولته ظهرها في حنق وغضب..
تنتظر عودته ناقمة .. تذهب وتجيء نافرة تلوك يديها في عصبية وتوتر ، دخل مراد تسبقه هالة من اللفتات الرقيقة :
ـ لماذا لم تنتظري حتى اشرح لك الأمر أردت أن أخبرك بالحكاية سا
قاطعته في غضب قائلة :
ـ الحكاية هي أني اجلس في البيت انتظر زوجي المخلص وأنا أظنه يعمل ليل نهار ولما ذهبت أرى عمله وجدته عملا شاقا عسيرا .. ثم لوت شفتيها في احتقار ..فالجلوس مع امرأة جميلة وحب قديم عمل شاق ومتعب
قال بنبرات جادة:
ـ أنت لم تفهمي الأمر على حقيقته دعيني أفسره لك!
قالت في ثورة :
ـ ماذا تفسر لي ؟ إني افهمه تماما ولا أريد تفسيرا لقد رأيت بعيني !
ـ يا حبيبتي سامية كانت تمر بمشكلة واحتاجت مساعدتي..
قالت في تهكم :
ـ مللت أعذارك ومبرراتك دائما تريد إقناعي أنك لم تخطئ أبدا وأنك الملاك البريء
نظر في وجهها مستنكرا سحنتها المكفهرة وعبوسها الشيطاني ،
ـ أنت تمنحين الموضوع حجما اكبر من حجمه!
ـ مراد حياتنا لا يمكن أن تستمر ، لم اعد استطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، اذهب إليهن ، أنا لا أريد أن أبقى معك.
ـ يبدو انك عصبية جدا الآن ومتوترة سأتركك حتى تهدئي .
هم بأن يتركها، فقالت في حدة :
ـ أنا في منتهى الهدوء .. أرجوك أريد الطلاق.
حملق في وجهها بارتياب
ـ لا أرى سببا لهذا ـ ساخرا ـ وأنت تعلمين أن شكوكك لا أساس لها لست الرجل الذي يخون زوجته، ولكنك تريدين أن تجعلي من الحبة قبة كعادتك دائما !
شخص بصرها إلى لا شيء فاستعاد مراد هدوءه: إن كنت لا تصدقيني اتصلي بسامية لتخبرك الحقيقة
لا تدري إن كانت تعانده أم تعاند نفسها .. تنتقم منه أم تنتقم من نفسها .. كأن شيطانا يقودها الى حتفها وهي راضية مستسلمة.
أزاح مراد الستائر عن النافذة الزجاجية ، اخذ يتأمل المدينة الساكنة وقد حجبت عنها الغيوم أشعة الشمس ، فأضاءت المصابيح المساكن والشوارع ببريق خافت، وإذا برياح باردة ترسل أمطارا فتزيل أدرانا في الأفق وغبارا
طلبت الطلاق في لا مبالاة وفي خفة لهفوة جعلت منها ركاما من الخطايا ، أصرت إصرارا عنيفا ، خشيت أن تتراجع ، فاقت جرأتها كل تصوراتها ، وكأن جميع شياطين تساندها في مطلبها ، استعان مراد بشقيقتها وبعديله محمود ليمنعاها عن التفكير في ذلك واتخاذ قرار في أمر لا يستحق، أبت أن تخفق، لجت في العناد والمكابرة، وما زالت به حتى طلقها ..
طلقها غير نادم ، غير حانق، لم يعد يكبد نفسه مشقة التفكير في علة ما حدث كان قد هيأ نفسه على أن يخلص لها مدى الحياة ، ولكنها كانت كمن يحمل جوهرة ولا يدرك أنها حقيقية، لم تتلوث مشاعره بالأغراض الدنيئة وبالرغبات المحرمة ولم تحلق بخياله رغبة آثمة أو غواية آمنة ، كان صافيا خالي البالي صفر المشاعر الا من إخلاص لها .
أخبرتها نجوى أن مراد تزوج وسافر إلى أوروبا ، لم تكترث إذ رمت بالذكرى بعيدا عن خاطرها ، وبعد بضعة شهور تزوجت هدى من دياب محاسب اسمر مجعد الشعر بارز القسمات ، متوسط الطول ، ،وفي شقتها الجديدة نعمت بسعادة هانئة وبصفاء ضحكات ، ولاح الماضي سحيقا يطمره رماد ، ولكن أمارات تتسلل إلى أعماق القلب فتزعزع يقينا وتدمر أحلاما ، وتدق أبواب السعادة بعنف ، كان دياب ضحوكا منطلقا وبلا سابق إنذار يتغير قسماته فتنم عن قسوة وتجهم.
تتماوج خيوط دخان مع نغمات فيلم عربي يقضيان سهرتهما معه ، وقد ران على جلستهما ركود ، تتابع هدى مناظر استقر بصرها عند سيارة كاديلاك بيضاء فوجمت، وفي حبور اثنت ركبتيها فوق المقعد ثم التفتت نحو دياب قائلة :
ـ ما رأيك في أن نشتري سيارة ؟
نظر إليها في تهكم قائلا:
ـ أنت تحلمين!
انتفضت الذكرى في خوف كأن حجرا القي في ماء آسن ، حيث عرض عليها مراد ان يشتري لها سيارة ولم تبالي، تنكر وتر الذكرى حين اهتز وتتطلع الى أفق أكثر اتساعا ، وتنتظر آملة أياما أكثر رحابة، بلا أنفاس لاهثة بلا خطوات مقيدة، وتفقدت شيئا لا معالم له وازداد الأفق ضيقا ، بينما تنقضي الأيام في صرامة وحزم والليالي في وحدة وملل ..
ذات صباح وهما يتناولان إفطارهما ، قالت وهي تقلب الشاي :
ـ ألن تعود اليوم مبكرا يا حبيبي ؟
قال في لامبالاة : لا ..لم ؟
قالت باستياء :
ـ لم نجلس معا منذ فترة طويلة !
أشعل سيجارا وهو يقول :
ـ تعلمين أني مشغول.
احتجت قائلة:
ـ أي عمل هذا ، أنت لا تأتي إلا للغداء ولا أراك بعدها إلا في اليوم التالي؟!
ابتسم قائلا في نبرات ممطوطة :
ـ ماذا تريديني ان افعل اجلس معك في البيت ليل نهار ؟!
ـ دياب لا تهزأ بي ..
ـ سلام..
تلفح حرارة الصيف الوجوه فتمتزج رائحة العرق بشهيق ناقم وزفير خانق ، تتوق للحظة استرخاء دائمة، ولوسادة تطرح عناء القلق ، وتضيق القاهرة الواسعة، تضيق بالبشر، بأنفاسهم ، وتهرول الحياة بحثا عن وجبة طعام ، كانت كمن يجدف بيديه وهي تحاول النزول من الباص ، استخلصت نفسها من بين الأجساد المتلاصقة في وجوم وسأم ، بعد نزولها قالت: أخيرا !
رفعت حقيبتها السوداء فوق كتفها وهي تنظر نحو الطريق المكتظة بالسيارات لتعبرها الى الجانب الاخر، الشمس حارقة والجو خانق ، نظرت في ساعتها فكانت الثالثة عصرا موعد عودة دياب من عمله ، ، فاتسعت خطاها.
جاء صوتها متفائلا من المطبخ ، وهي تقول :
ـ دياب : هل حضرت ؟
فأجابها بصوت قوي : نعم انا هنا
اتجهت بعباءتها الواسعة نحوه، كان دياب مسترخيا فوق اريكة واتكأ قليلا ليشعل سيجارا
ـ مساء الخير حبيبي ..
قال باقتضاب :
ـ مساء الخير ، جهزت الغداء؟
ـ نعم ، نصف ساعة فقط ويكون جاهزا.
فهتف غاضبا : قلت لك مائة مرة انك لابد ان تنتهي من الغداء قبل حضوري
أجابت في تردد:
ـ ماذا أفعل ، المواصلات كانت مزدحمة وجئت متأخرة.
ـ لا شأن لي بذلك ، لا تفعلي شيئا ، سأخرج.
تساءلت في توسل:
ـ الى أين
أغلق الباب وراءه بعنف فارتجفت عند ارتجاج شراعاته الزجاجية.
اليوم عطلة تذوقت لذة الكسل والخمول والدعة فهذا اليوم يحمل أريج أيام تعرفها وتنكرها مدعوة هي ودياب اليوم على الغداء عند نجوى ، فوجئت بدياب يرتدي بدلته السوداء ويقف أمام المرآة وهو يعقد رابطة العنق فرفعت رأسها قليلا وهي تثاءب قالت بصوت خافت:
ـ ألسنا مدعوين على الغداء اليوم؟!
قال وهو يمشط شعره:
ـ اذهبي أنت، لأني سأخرج؛ لدى موعد هام.
ـ ستخرج ؟! اليوم عطلة إلى أين أنت ذاهب؟!
قال وهو يتعطر :
ـ عندي شغل يجب أن انتهي منه.
قالت في غضب :
شغل .. شغل كل يوم أليست له نهاية ؟ كيف أذهب إليها بمفردي .. ماذا أقول حين يسألاني عنك؟
ـ اخبريهم إني مشغول قالها وهو يتجه نحو الباب ثم استدار قال وهو يغلقه مبتسما : إلى اللقاء
لاذت بالصمت واستسلمت وصدرها يحترق كدراً..
لم تدهمها يوما أحاسيس كتلك التي تشعر بها وهي في شقة شقيقتها .. المقاعد الوثيرة الرخام الأبيض الناصع ، الجدران بزخرفتها الستائر المسدلة والشرفات الواسعة ، أقبلت نجوى وهي تدفع أمامها عربة الشاي ثم سألتها
ما أخبار دياب؟
بخير
رنت نجوى إليها وهي تقول :
ـ هل تعرفين أين يقضي وقته؟
قالت في ارتباك :
ـ في عمله دائما ، يقول انه يقابل عملاء.
هزت رأسها نافية : عملاء؟! لا أظن.
تنظر نحو الفضاء الممتد ثم التفتت قائلة :
ـ ماذا تقصدين؟
قالت بتردد :
ـ أقصد ..صمتت هنيهة ثم قالت : هدى يجب أن تعرفي الحقيقة ولا أقبل أن أتركك مخدوعة من دياب كل هذا الوقت.
ـ أكملي
ـ دياب كل يوم مع واحدة.
حدقت في فناجين الشاي كأنما تتوسل لومضة من الماضي أن تبقى ان تعود التصقت شفتاها تود أن تصرخ ولكن شيئا ثقيلا يزحف لا لون ولا اسم له
تهدج صوتها تبعثرت الحروف في خيبة :
ـ أرأيته ؟!
ـ كثيرون رأوه واخبرونا .
فألحت في يأس: هل رأيته بنفسك ؟
قالت في تسليم : نعم
ما بال العذابُ غير مؤلم كأن النفس تستعذبه ؟ ما بال الخيبة عظيمة ، والصقيع قارص ، والأمس البعيد شاخص حاضر يلوح في غمضة سحرية من الدفء والحب ، الريح تتشبث بأستار ممزقة واضع يدي فوق أذني فتعربد أصداؤها في هلع .!
" ماذا تطلبين للعشاء؟
كما تحب
أنا أحبك أنت ، أنت حياتي وروحي"
ما أروع الذكرى وهي ترفل في غلالة من الحنين ونبضة من الشجن ..!
تنحني لتمسكَ بزجاجة عطر متوجة بوردة زرقاء .. ينطلق بصرها حثيثا حيث الأسواق العامرة بالمرح والصخب، النسيم يوسوس إلى الأغصان ويداعب أوراق الشجر.. أيقظ الحواس شذاها وأضرم الفؤاد نيران الشوق واللهفة فتنتحب في ألم .. اليوم تستجدي المشاعر.. تستجدي العطف والحب .. ها هي الملاهي والنوادي والمطاعم التي اصطحَبتَني إليها تتذكرك وها هو قلبي على كفي نادما باكيا يسأل عنك ، والحنين ينوء به كاهلي والدموع بين مقلتي !
ترى هل كان ما بها مس من الجنون، عجبت لحماقة الأوهام وتفاهة الأسباب وسهام الحب التي أطلقت فيها رصاصات دامية ، ودت لو تراه فتخبره بأنها نادمة ولكن يعجزنا النطق أحيانا بكلمات فارغة الحروف..
ها هو قلبي أقدمهُ على كفي.. يا شواطئ البحر أخبريه بشوقي وحسرتي .. كم التقنيا هنا حيث تطيب بوجودك الكائنات ويحلو النسيم وتسعد الحياة وتبتهج الجوارح .. مثلك تشرق الشمس لطلعته وتفرح الأعياد لرؤيته..! آه من قسوة الندم .. ما ادركت الحب الا بعد فقدك..! ما عرفت السعادة إلا مذ عرفت هواك ، وما ذقت كأس المر إلا مذ فارقتني !
كلما جاءها الشتاء تتذكر شهوراً دافئة ولمساتٍ حانية كان يقدمها دون أن تطلبها.. في غبِّ الليل الطويل تستيقظ فزعة ودموع تختنق بها عيناها وتغمغم في لوعة : مراد؟ تنظر حولها فلا تجد دياب بجانبها .. إنه لم يحضر بعد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق