‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات. إظهار كافة الرسائل

08‏/09‏/2014

رواية"هجرة سرية" للكاتبة علا حسان تحصد جائزة القلم الحر للإبداع العربي

حصلت الروائية الدكتورة علا حسان على جائزة القلم الحر في الرواية عن روايتها "هجرة سرية" وذلك 
في مهرجان القلم الحر الخامس للإبداع العربي الذي أقيم في الفيوم تحت رعاية الدكتور حازم عطية الله
 محافظ الفيوم ورئيس المهرجان الاستاذ رجب عبد العزيز . 



وتم تكريمها في المهرجان الخامس الذي كان احتفالية كبيرة ازدانت بها الفيوم، وشارك فيها  كوكبة من
الأدباء والمبدعين من جميع محافظات مصر وجميع الدول العربية. 
 وتم تكريم نخبة من مبدعى وشعراء مصر والدول العربية الشقيقة كما حضر المهرجان عدد من القيادات السياسية
 وفناني بعض الدول العربية ووفود ممثلة عن الدول المشاركة .
وقد صدر للروائية علا حسان ثلاث روايات ومجموعتين قصصيتين، وحصلت على العديد من الجوائز في مصر والدول العربية.




31‏/07‏/2014

رواية " لميس" الحاصلة على جائزة الشارقة للإبداع العربي .. علا حسان

ظلم مؤلم، عجز مضني، قهر قاتل، كل شيء من حولي موجع ،الألوان واللوحات ، الهمسات والضحكات، الأنامل والجوارح ، الزمان والمكان والكلمات..الظلمات والدوامات ، ظلم يمتد كجرح بطول العمر كله.. يمزق الجسد كله.. بل قهر يمتد ليس بطول عمري فقط.. بل يمتد منذ قرون طويلة ويتسع كل يوم.. جرح لا يقاس طوله بأبعاد الزمان ولا بمقاييس المكان.. جرح يتعدى عمري ليضيف إلى هزائمه هزائم أخرى بطول أزمنة التاريخ .. جرح يؤلم فيه ما حدث في كل بقعة من بقاع تلك الأرض ، جرح بطول التاريخ وعرض الأمة.

   انكسر الوجود في ناظريها ..فشق أذنيها صوت تكسره الزجاجي الحاد،  وتحطمت كل أحلامها .. تحيا في مجتمع لا يصدق إبداع المرأة .. مجتمع ذكرى لا يعترف بقدراتها وباستقلاليتها .. "ريشتي تشهد أنى رسمت جميع لوحاتي بها، "البلتة " التي مزجت فوقها ألواني .. الليالي التي سهرتها ، الوجوه التي نقشتها أناملي، كلها تشهد أنه إبداعي ، وصنع يدي  .. الظلم قاهر كالموت ، والغبن بركان يزحف نحو الزهور والأجساد والبيوت والشهيق الحالم ، والزفرات المطمئنة ، والضحكات المترعة بكئوس البقاء ، والسرائر المفروشة بأوشحة حريرية فيحيلها جمرات داخل موجاته الثقيلة ، ويجعلها زادا لطغيانه المهيمن ..

   تقف أمام لوحاتها ، تتأملها في حسرة .. جميعها لبنات من قلبها وعقلها وروحها .. وكأنها أجنة نبعت من رحمها .. إنه لا يجيد إخراج دفقة المشاعر كما تخرجها ، ريشته عاجزة عن حمل النبض البشري ، يجيد المقاييس فقط ،  بينما تجيد هي رسم الإحساس ، بخطوط سريالية مبحرة في مكونات الطبيعة ورموزها وأشكالها. 

   ها هم يحرمونها ما تملكه، يحرمونها من انتماء أعمالها إليها، وميلادها بين يديها، يضنون عليها بالإبداع والفكر، يظنونها بلهاء، عاجزة.  تبكي في حرقة .. حتى متى تذرفين دموع الهوان يا لميس؟ حتى متى يغتالون براءتك وإقبالك على الحياة ؟.. تُمسك بإحدى لوحاتها ... عساها تنطق فتخبرهم أنها شيء من نفسها ولحمة ذاتها .. نتاجها البكر .. الذي تعهدته بالرعاية والرواء حتى نما واكتمل .

   تركع باكية ، متألمة وقد علا نشيجها حتى شق أستار الليل المسدلة من حولها .. مازالت اللوحة في يدها تقاسمها الألم ، الى ان توارت داخل غيمة بكاء مظلمة ، فاستحالت أشباحا هائمة ، وخيالات راقصة .   

  كفاكِ بكاءً . . ألم تسأمكِ المآقي مثلما يسأمكِ كل شيء .. عقلك وتاريخك والجدران وغلافك الناقم؟..العالم يغني وأنت تبكين .. الأحياء يرقصون وأنت تنشجين؟ انهم يكرهون البكاء .. ينفرون من نظرات الألم  .. حذار أن تبدي شيئا من أوجاعك .. إنما يسعدهم من ينسيهم حسراتهم فلا تذكريهم بها .. وإلا تنبذك الأزهار والأغصان وتعرض عنك الأسنان الضاحكة .. ويفزعك مردتهم الذين ينكلون بأمثالك من مثيري السأم .
 تجلس بجانب صخرة تنطوي ضخامتها على دهور ضوئية ، ربما كانت من قبل في حضن جبل شامخ الأوتاد .. راسخ الجذور .. متصل بالجوف المنصهر وبالسحاب الأملس .. اختبر البرد والزمهرير وشام البرق وتوعد الرعد .. ربما كانت تشكو سوء الحال فهبط بها تيار السيول الجارفة الى بطن واد ترعاه قردة وخنازير .. فكانت موطئا لنعالها المسمومة .. ومراحا لأظفارها الملوثة ..

   بعد قرون مخادعة .. جرفتها رياح الهبوب نحو شاطئ ذلك البحر المبتسم ، توارت خجلا من خدودها المنشوبة ، وتعرجاتها البينة ولكنه راح يمسح عنها آلامها .. يطمئنها أن مياهه المالحة قادرة على ضماد تشققاتها .. وعند كل فجر كانت تلطمها أمواجه في قسوة فتلحم جروحها الغائرة وتزيل قشورها البارزة .. حتى استوت في نعومة ليستند عليها الباكون في مختلف العصور.. ويتناجى عندها العاشقون .. أما هي فتجلس اليوم بمفردها تندب وحدتها وحظها العاثر .. تنظر نحو البحر فتجده مهيبا واثقا متفائلا رغم الظلمة المحدقة به .. 
    " بهاء " يضيق بكآبتها وحزنها ، وعزلتها عن العالم . تنثر نبرة صوته القوية رذاذ الفن والإبداع .. كلماته تثير سخريتها فتحدث نفسها هازئة: " عن أي فن تتحدث.. تساقطت أحلامي معك حلما وراء حلم ، مشيت خلف سراب ، ولم أظفر منه بقطرة ماء تنقع غلة ظمئي ، انها تجارة ومن يدفع الثمن يحظى بالمجد ، قائمة خسائري أطول من حبال نفسي المعقودة"..
   تختلس النظر اليه في مرارة قائلةً لنفسها" فتر ينبوع حبه الخادع ، لم يقدم لأجلك شيئا ذا قيمة ، ووهم المجد الذي حلقت به في السماء كان خرافة كبرى. فلا تعودي أسيرة وهم ماض خادع . الآن أكرهك من صميم قلبي ، أكره قبحك ، وطولك المفرط ، وكتفيك المحنيين ، ولؤمك وكذبك وحقدك الخفي".

18‏/12‏/2013

يا فاطمة .. أدركي أباكِ .. قصة قصيرة ... د. علا حسان


  يجلس السيد فايز في الخمّارة كل ليلة.. يحتسي كأسا وراء أخرى منتشياً.. كأنما يرغب في نسيان آثامه إذ كان يظلم الناس ويأكل حقوقهم، يضرب ويخون ويخدع، يأكل السّحت ويقبل الربا.. لا توجد معصية لم يرتكبها.. يتحاشاه الناس من معصيته... حتى ضاقت به أو ردته وأصيب بذبحة صدرية.. لم يسعفه أحد من السكارى..
ظل ينتظر الطبيب، أطل عليه كائن هلامي لم يستطع أن يستبين ملامحه:
ـ أنت الطبيب ؟
ـ نعم أنا..
قال وهو يزيح ياقة قميصه ويفك أزراره: إذن أنقذني من هذا الاختناق ؟
ـ  سأنقذك بأسرع مما تظن، فأنا قرينك الذي قضيت حياتي في خدمتك.
ـ قريني، مهتم بي طوال حياتي..ولكني لم أرك من قبل.
 برقت عينا القرين وهو ينظر في وجهه قائلا: أنا مكتوب بين عينيك لو كنت تقرأ الجبين لرأيت رسمي فوق جبينك، لا أفارقك إلا عند الموت، إني انتظر خروج روحك من جسدك لأكون قد أنهيت وظيفتي معك فأنتقل إلى غيرك..
ـ جئت تخرج روحي أم تعالجني؟ لست أفهم!
فغر فاه عن بقعة سوداء: قلت لك إني مهتم بك، فأنا قرينك الذي رافقك طيلة عمرك، قمت بعمل دراسات عليك، درست كل خلية في جسمك وفي عقلك وفي بدنك، مداخلك ومخارجك جميعا، أعرف كيف ادخل وكيف أخرج منك، وأعرف نقاط ضعفك وقوتك.
ـ تدرسني أنا ؟
تغيب صورته وتظهر مثل شاشة هلامية:نعم هذه هي مهمتي، أنا أعلم بك منك، بدراستي تلك أعرف ما سيصيبك من أمراض وكيف أقودك إلى هلاكك، ومتى تكون قادراً على النّجاح فأحبطك ومتى تكون عاجزا فأتركك.. ولا أبذل كبير عناء في تنحيتك عما يفيدك، أتذكر ذلك اليوم الذي أردت فيه أن تتزوج من تلك الشقراء الناعسة، كنت أصرخ رعباً وخوفاً من إقدامك على الزواج منها، أو شكت أن تصبح جنتك في الحياة فكيف تعيش في الجنة وأنا في قيد النار؟ أنت تتزوج هذه الصبية الطيبة، على ناري أن تصل إلى مرادك عجزت عن صرفك عنها فدلفت إليها لأكرهها فيك، وأجعلها ترى عيوبك وأخطاءك، أو  تظنني ألهو إني أعمل بجد، أنت عملي ومصدر رزقي، لقد ترقيت بسبب نجاحي في تعطيلك وتدمير حياتك وأطمع في ترقيات أكبر.
مد السيد فايز يديه في الهواء متألماً متحسراً، وقال بحرقة عاجز:آه يا ويلي.. ليتني رأيتك وجهاً لوجه لكنت قتلتك، ليتك تواجهني فأمزقك، أرنيه يارب حتى أقتله ألف مرة، وأخنقه بيدي ضيعني، ضيعني يا الله وافقدني مالي وحالي وشتت شملي وفرق جمعي وآل بي إلى الفقر والذل.
حلق القرين فوق رأسه هازئاً: تخنقني؟ وهل أنا مثلك من طين عفن، إني خلقت من نار وما لمثلك أن يراني أو  يلمسني، تخنق شيطانك العامل على كل خطيئة والحاض والمشجع على اقتراف كل إثم؟ عليك أن تشكرني لأني لم أكن أستريح الا عندما أتركك على باب الخمارة، وعندما أعلم أنه لا فائدة من سعيك، وعندما تدخل المسجد لتصلي أشغلك لأصرفك عن الصلاة ولا يصادفني راحة إلا إذا صليت ووضوءك باطل فأعلم أنه لا فائدة من صلاتك فألهو وأمرح، إن عملي شاق ولا راحة فيه أنت وحدك الذي تمنحني الراحة عندما تيسر على أمور ضلالك.
ـ  كيف لم أنتبه.. ثم تلفت وهو يختنق أكثر:
ـ كف عن الدوران حولي.
ـ درست كل شيء يتعلق بك، ماذا تحب، ماذا تكره، كيف أقنعك بما لا تريده، وأبعدك عما فيه خيرك، كيف أجعلك تخسر أموالك، وأدخل عليك الهمّ والغمّ والقنوط والحنق، وأملؤك بالحقد والغل والضغينة والحسد.. أتذكر تلك الأرض التي سعيت لشرائها لقد كنت أركل وأضرب قدمي في الأرض خوفا وجزعا من أن تشتريها، سيصبح ثريا، سيتركه الفقر كنت أعلم أنها ستجلب ملايين الدولارات لذا صرفتك عنها، وارتاحت نفسي بانصرافك ذاك وهدأت ناري كنت على وشك أن أخسر منصبي لو أنك اشتريتها.. بفضلك نلت أكبر المناصب، امتلأت وصرت قويا لأني أشاركك كل ما تأكل بل آكل أكثر منك، فأنت وهبتني نعمة أشكرك عليها وهي أنك لا تذكر اسم الله فأبتهج وآكل بفرح ونشوة.
ـ إذن أنت أيها اللعين وراء ما حدث من مصائب وكوارث في حياتي أنت من كنت تدفعني إلى الضلال!
ـ نعم، وتعلمت كيف أدفعك إلى الحرام وإلى الخطيئة بكل مهارة وكيف أبعدك عن الطريق المستقيم وعن النجاح في حياتك بكل ما أوتيت من قوة.
ـ لا أصدق، عجيب حبك لإيذائي!
ـ لكم تمنحني شرفا عظيما إذا خنقت نفسك الآن، أن تموت منتحرا إنه أفضل إنجاز سأحصل عليه في هذه المهمة، آه لو تفعلها فأحصل على منصب كبير العتاة، سيصبح لي خدام وجنود وسيكون تحت إمرتي ألف عفريت ! ليتك تفعلها وتسدي لي هذا المعروف.
ـ أي معروف ولم لا تسدي لي أنت معروفا وترحل عني وتتركني ؟
ـ لا أتركك قبل أن تتركك نفسك، سأغتم إذا نجوت، يؤلمني أن أراك سعيدا منشرح الصدر، ويقتلني الغم والكدر إذا نجحت في شيء وكم أفرح عندما تصيبك مصيبة أو  توشك أن تقبل عليك، ألم تشعر بفرحي ذاك، ألم تشعر بسعادة تسبق مصائبك دائما ألم تكن تنتابك نوبات فرح هائجة؟ إنه فرحي أنا لأني أعلم حقيقة ما أنت مقدم عليه.
ـ نعم، أذكر فرحي الشديد عند توقيعي ذلك العقد المنحوس وتلك الشيكات التي دمرت حياتي،  كان فرحا غبيا مني، أنت لم تضيعني بل أضاعني غبائي وحمقي.. يالي من غبي، لو أعود إلى قوتي وعافيتي، أبقني يا الله بضع سنوات بل عاما واحدا حتى أمحو جرائر الأيام.. أكفر عن الآثام.. حتى أبكي على أعتابك يا الله نادما، أبقني، لا تقبض روحي..
همس القرين في أذنه ضاحكاً منتشياً:
 ـ جنودي يؤدون عملهم في تأخير سيارة الإسعاف عنك.. اليوم أنت ذاهب إلى الجحيم ولا مغفرة لك.. فات أوان التوبة.
حرك فايز يده ورأسه في كل اتجاه متألما: لعنة الله عليك.. لعنة الله عليك... ياليت بيني وبينك بعد المشرقين، بئس القرين أنت.
     حملت سيارة الإسعاف السيد فايز.. بعد محاولات مضنية من الأطباء تم إنقاذه من براثن الذبحة الصدرية.. نصحوه بالابتعاد عن مهيجات الذبحة.. أبدى ندمه على ما فات بضعة أيام ونوى الاستقامة.. قاطع الهلس أياما وسرعان ما عاد إلى سيرته الأولى..  لم يتذكر من أمر القرين شيئا سوى أنه كابوسٌ لعين..

ـ2ـ

   بعد عدة أعوام.. قرر السيد فايز أن يتزوج وينجب.. فتزوج وأنجب ابنة سماها فاطمة.. أحبها حباً شديداً.. أصبحت نور حياته الذي يبصر به، كانت براءتها تخطف فؤاده، وتشعره بدناسة أفعاله وحقارته، وكلما كبرت فاطمة زاد إيمانه، وما إن ترى بيده كأس من الخمر، حتى تقترب منه وهي تحبو لتزيحه بيدها الصغيرة، فيحملها ويجلسها في حجره وينسى شرب الخمر، وكلما كبرت طفلته قلت كبائره، وابتعد شيئا فشيئاً عن المعاصي.. حتى أتمت ابنته ثلاث سنوات. وفجأة ماتت فاطمة.. واراها الثرى ولم يستطع الصبر على فراقها فعاد أسوأ مما كان.. وتلاعب به الشيطان.. خيرته زوجته بينها وبين خمره وكأسه، فاختار أن يبقى كما هو، يمضي صباحه في النوم، وليله في السكر والخمر.
 وذات يوم قال له قرينه: " لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل" فعزم أن يشرب الخمر وظل طيلة الليل يشرب ويشرب ويشرب...
 بعد عودته من الحانة، دخل بيته وهو يترنح، ألقى بجسده النحيل فوق الأريكة، لم يشعل ضوء بيته البارد، جلس في الظلمة، يتمايل بجانبه ضوء خافت قادم من غرفة فاطمة، ولما تذكرها بكى بكاء مريرا لفقدها..
شعر بوخز في صدره وضيق تنفس، أزاح قميصه عن عنقه، اعترته أعراض الذبحة مرة أخرى، ونسي ما كان من أمر توبته في الذبحة الأولى التي نجا منها، ولكنه لن ينجو من براثنها في هذه المرة.
 تراءى له وجه القرين، بذل جهدا لتذكر أين رآه من قبل، وسرعان ما انقلب القرين إلى وجه جميل:
ـ أنا ربك ألا تراني، اسجد لي واشكرني وأنا سأبقيك، ولن أقبض روحك..
عاودته ذكرى ذبحته الأولى، فتذكر وجه قرينه، إنه ذلك الذي رآه من قبل، وأنسته الأيام حقده وعداوته، لا يدري كيف نسي عدوه اللدود الذي أهلكه وساقه في طريق الضياع، كيف أو هم نفسه بأنه كان كابوسا، وتجاهل خططه ومكره واعترافاته.
أشاح بوجهه مشمئزا: انصرف عني أيها اللعين، أعرفك.. كيف تبدلت.. أتريد لي الكفر؟.. أنت اللعين..
ـ بل أنا ربك..ألا تدعوني الآن سأستجيب لك وأمنحك عفوي وغفراني فقبل يدي واسجد لي وقل لي لا إله إلا أنت.
ـ انصرف عني.. أغثني يا الله أنا الضعيف اللاجئ ببابك..أغثني من اللعين..
اختفى القرين محلقاً، ابتلعه سقف البيت، وإذا بالسيد فايز يبصر ابنته واقفة أمامه، في طفولتها البريئة، وجمالها السماوي، مد يده متشوقاُ ليضمها إلى صدره، فعجز عن رفع جذعه، كان ثقيلا محموماً كأنما يرزح جسده تحت أكوام من الرمل، بدت أمامه طفلته الحبيبة.. جاءته في ثياب ناصعة البياض، لتؤنبه قائلة:
ـ ماذا بك يا أبي إنه ربك لم لا تشكره وتسجد له؟
ـ من ؟ فاطمة ..  كيف عدت ؟
ـ نعم أنا فاطمة يا أبي.. صدقني إنه الحق.. آمن به يا أبي.
ـ عمن تتحدثين..؟
 ـ عن ربك.. انظر إليه كم هو جميل يا أبي!
ـ أترين ذلك يا ابنتي؟
ـ نعم يا أبي.. صدقه.
تردد برهة، ثم قال: لا، ليس هو.
ـ بل هو، أنت لم تره من قبل يا أبي، ولا تعرفه.
ـ لا يا ابنتي إنه اللعين الذي أضلني.. إنه ليس ربي.
اختفت طفلته عن عينيه وما زال يمد يده متشوقا لأن يحتضنها. تلون القرين مرة أخرى ليظهر في صورة أبويه، حدثته أمه المسكينة بنبرتها الحانية:
ـ ماذا بك يا ابني لم لا تسجد لربك لم لا تشهد به؟
ـ لا يا أمي إنه ليس بربي.
فقال أبوه:
ـ بل ربك يا بني، آمن به.
ـ حتى أنت يا أبي ! جميعكم تريدونني أن أكفر ؟!
ـ استغفر ربك يا ابني.
ـ ليس بربي.. اتركوني.. ارحلوا عني.
ـ كيف يتركونك؟ لما لا تصدقهم؟.. أتكذب ابنتك وهي في الجنة ووالديك وهما أحن الناس عليك ألا ترغب في دخول الجنة؟
ـ نعم أرغب.
ـ إذن اسجد لي وقل لي لا إله غيرك.
ـ بل ألعنك واستغفر ربي واسأله العفو.. أسأله أن ينتقم منك.. أن يرفع غضبه ومقته عني.. ليت السنين تعود فأبصق عليك كل يوم.. ولا أفعل شيئا غير السجود لله والاستغفار والعبادة.
قال القرين ساخراً: فات أوان الاستغفار، فقد اخترت غوايتك بنفسك، ولا تلقي باللائمة علي فأنا بريء منك... إبكِ ما شاء لك البكاء فلن تسعك بعد اليوم أرض ولا سماء..
عضّ أصابع الندم وهو يردد:
ـ آه.. أيها القرين اللعين! ليتني أعود فأقهر غبائي وأترك شهواتي وأتوب عن المعاصي.. ليت العمر يعود من جديد فأصلح ما فات.. أفعل هذا ولا أفعل ذاك، ليت قدمي قطعتا قبل أن تمشي في الخطيئة... ليت يدي بترت قبل أن تضرب وتسرق.. ليت لساني لم ينطق بالكفر.. ليت جوارحي لم تفعل شيئا غير عبادة ربي.. ليتني كنت تراباً.. كيف يعود العمر.. هل من كرة أخرى؟.. كرة أخرى يا الله... امنحني هذه الأمنية.. هبني إياها.. أتوسل إليك...أعدني.. أرجعني أعمل صالحاً.. الدموع تخنقني والندم يمزقني. أما من عودة ؟ بضعة أيام. وكيف تعود الأيام.. كرة واحدة يا الله..  كرة واحدة.

ـ3ـ


    بُعث السيد فايز إلى يوم الحشر، أظلمت الشمس، وزلزلت الأرض، سيرت الجبال، واشتعلت البحار ناراً.. وجمعت الأمم إلى أرض المحشر.. الناس أمم لا حصر لها.. تلوح رؤوسهم في الأفق كرؤوس النمل.. سواد عظيم يزحف كبساط من الموج.. هؤلاء هم البشر الذين كانوا يحيون فوق الأرض.. هؤلاء الناس الذين كانوا يتصارعون ويتقاتلون في الدنيا؟ كلٌ اليوم في شأن يغنيه.. يناديهم المنادي فردا فردا، ليقرأ كتاب كل منهم وتعرض أعماله، فتسود وجوههم عند قراءة صحائفهم، والسيد فايز بين الناس، غارق في زحام البشر، حتى نودي: "السيد فايز هلم للعرض على الجبّار" ارتعدت فرائصه، تحول وجهه إلى سواد شديد لشدة خوفه، وإذا بالبشر يختفون من حوله وكأن لا أحد في أرض المحشر.. وفوجئ بإخطبوط عالٍ ضخمٍ يقفز نحوه فاتحا فمه. فجرى هلعا ورعبا، تلفت في كل اتجاه حتى وجد شيخاً ضعيفاً، فرجاه قائلا: أغثني من هذا الوحش.
ـ يا بني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن اجر في هذه الناحية لعلك تنجو.
جرى حيث أشار له وإذا بالنار تلقاء وجهه والإخطبوط خلفه.." أأهرب من الوحش لأسقط في النار" فعاد يجري مسرعاً، والإخطبوط يتلوى ناثرا أذرعته، فعاد للرجل الضعيف واستغاث به: "بالله عليك أنجدني أنقذني".
بكى الشيخ رأفة بحاله، وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن اجر تجاهذلك الجبل لعلك تهرب.
 جرى للجبل، والثعبان يفغر فاه لالتهامه، فرأى على الجبل أطفالا صغاراً وإذا بالأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك.. أدركي أباك.
نظر فرأى ابنته تطير نحوه.. وهو ميتٌ من شده الخوف فدفعت الإخطبوط بيدها اليمنى وأخذت أبيها بيدها اليسرى، عجب لقوتها ولقدرتها على الإمساك به، وفرح برؤيتها وبنجدتها له في ذلك الموقف العصيب.
 جلست فاطمة في حجره كما كانت تجلس في الدنيا. بدت عليه الحيرة فسألها: يا بنيتي أخبريني عن هذا الوحش، لم يلاحقني؟
ـ هذا عملك السيئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك.. أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة؟
ـ وذلك الشيخ الضعيف؟
ـ ذلك العمل الصالح.. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لك شيء ولولا أنك أنجبتني ولولا أني مت صغيره ما كان هناك شيء ينفعك.
مكث السيد فايز محتضناً طفلته الصغيرة لم يسقط في جحيم النار ولم يرق إلى نعيم الجنة [1].








[1] تصور عصري لرؤيا مالك بن دينار رحمه الله.

03‏/05‏/2011

د.علا حسان تشارك في مؤتمر الأدب في مواجهة الإرهاب بالرياض


شاركت الدكتورة علا حسان في مؤتمر" الأدب في مواجهة الإرهاب"الذي أقامته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كما شارك في بحوث المؤتمر نخبة من الباحثين والباحثات من داخل المملكة العربية السعودية ومن ثماني دول عربية وإسلامية، وقدم الباحثون ثمانية وثلاثون بحثاً علميًّا تتناول محاور المؤتمر في تسع جلسات ، إضافة إلى الافتتاح والختام ، والأمسية الشعرية التي سبقت الختام .   
 وقدمت الدكتورة علا حسان أستاذ الأدب والنقد المساعد في المؤتمر ببحثها الموسوم بـ"الإرهاص بكارثية الإرهاب والتطرّف في الرواية العربية" وتناولت محاور البحث الرواية والقهر والرواية والتطرف والرواية والارهاب حيث أن القهر والعجز والاستبداد وجوه مناقضة ودافعة للتطرّف والإرهاب ، وهي من اشتراطات الواقع السياسي العربي ، مما نتج عنه خلل في الواقع النفسي والاجتماعي، وجنوح نحو التطرف لتفريغ شحنات الغضب والقنوط. وبدت الرواية وثيقة أدبية تواجه "الإرهاب" الذي يحوم بأقساط متماثلة فوق المجتمعات العربية، ورغم اختلاف مفهوم الإرهاب من كاتب لآخر عبر نصوص أدبية عربية متعددة فإن ما يميز الرواية هو تصورها الحداثي الشامل للحياة الذي ينطوي على الشمولية والتعددية والحوار وتغيير الحراك الاجتماعي.

09‏/09‏/2002

الرحيل إلى القمر ... رواية

رواية  " الرحيل إلى القمر ".. أدب الخيال العلمي .. علا حسان

                                                                     (1) 

     

      أيتها المدينة الحسناء.. أيتها المدينة الساحرة، لم يكن يخلو حي من أحيائك من صراخ ضاحك أو ضحكات صارخة، الليل كان يتلألأ فيك بأضواء الملاهي والمنتديات، وقد حارت الأقدام فوق أديمك الفضي فانطلقت إلى سمائك محلقة.
     عندما تسيل أشعة القمر فوق مبانيك المعدنية التكوين والمتراصة على شكل أبراج شاهقة تنسج الحركة خيوطها في أجوائك الرحيبة، وتطير النفاثات فتسبح ظلال بيضاوية فوق أسطح البيوت الملساء؟
    إذا خطر لك النظر إلى سمائها ستغمرك فرحة فاتنة، وسيأبى بصرك إلا أن يطل عاليا ليرى أسراب النفاثات وسط زرقة سمائها الدانية، ولن تعرف حينئذ لقدميك موطئا أو اتجاها فيصيبك دوار تقف معه ذاهلا مأخوذ الفكر قلق البال.
    لمدينة السحر رائحة ينفذ معها صبرك، رائحة معدنية، إلكترونية، بخارية، بيد أنها مدينة ذات سحر وغنج وروعة!! يشدهك صمتها في الصباح الباكر، وصخب ناسها في المساء.
     كانت في زمن سابق أروع مما هي عليه الآن، فكل الكائنات تشارك بحماس في استمرارها النبات والجماد والحيوان.. وما من ركود أو صمت في تلك المدينة، لكل كائن دوره الحيوي الفاعل الذي يقوم به.. فهي مدينة السحر التي لا تفرق بين كائن وآخر.. ولا تفرض قيودا من أي نوع، ولكنها تضع الفضيلة منهاجا والقيم النبيلة هدفا ساميا.. لا يسمح في مدينة السحر بالظلم أو بالإساءة لمخلوق مهما تكن قيمته أو ضآلته.. الجميع يعملون تحت إطار من الحرية ولكنها حرية مقيدة إلى أبعد مدى.
     إنها تسمى " الكوزموبوتين  "، مساحتها تمتد إلى ملايين الأميال، وتضم بين جنباتها جميع جنسيات البشر،.. الأقوياء يساندون الضعفاء والأثرياء يقدمون العطايا إلى مؤسسات الرعاية الخيرية لتقوم بدورها في توزيعها على الفقراء والمعوزين، لكل شيء مقياس لا يتعداه.. ولكل حدث حساباته الدقيقة التي لا يمكن اختراقها.
     " الكوزمو" لا تعتمد  نظام الحاكم الواحد ولا تعترف بالبطولة الفردية، وإنما تضع حكومة كوزموية للقيام على مصالح الأفراد ورعاية متطلباتهم، عبر شبكات إلكترونية شديدة الإحكام ، فلكل فرد هوية إلكترونية،يعرف بها أينما كان، وليس من تجاوزات فوق مدينة السحر، فالرقيب الإلكتروني يملك القدرة على السيطرة على أي خارج على القانون بمجرد توجيه القيد المكاني نحوه.
   مدينة السحر استطاعت في زمن قريب أن تقضي على الأمراض المزمنة وعلى جينات الجريمة والخطيئة في الخريطة الوراثية ، ولكنها حتى الآن لم تستطع منع ظهورها المفاجئ واللحظي، و لم تتوصل إلى كيفية القضاء على جينات الكذب  لتلونها وتغيرها ولا زال علماء الميكروبيولوجي يدأبون على تحقيق تلك الغاية.
     كانوا يقولون إن حضارة الأسلاف دمرت في حروب همجية نووية، حين سيطر الكبار على مقاليد كل شيء فوق  مدينة السحر قديما ، فلم يكن للضعفاء من مأوى يحتمون به من الغضب الهادر أو الفقر المدقع، فتفشى الظلم في أنحائها وزفرت شعوبها الفقيرة أنفاس اليأس والهوان، وفقدت حرية الفكر والشعور أصبحت كقطيع يساق إلى مصير محتوم، سلعاً تباع وتشترى، عقولا آدمية فارغة إلا مما يبثه إليها أولئك الكبار، حتى هبت ثورات مزمجرة في أنحاء تلك المدينة لتعيد كل شيء إلى نصابه  ولكن الأزمات تفاقمت وانتقلت من سيئ إلى أسوأ ، إلى أن جاء يوم فكر فيه مطعون هائج  في الانتقام.. الانتقام لأمثاله من الضعفاء والمساكين.
    فحطم أرجاء تلك القوى التي تباهت طويلا بقصورها، وقوض بنيانها الشاهق وعقولها الذرية.. حطمها في لحظات قليلة.. لحظات لم تستغرق من عمر الزمن شيئا بالقياس إلى عهود طويلة استغرقتها في البناء والتعمير.. لقد كان أهوجا.. مسلوب الإرادة والمصير.. كطفل يلهو بقنبلة غير مدرك أنها تحمل الفناء والهلاك.. كثور يدافع عن نفسه ليقتل الملايين.. رأى في إبادة الجبابرة حياة لشعوبه المسكينة.. فأبادهم دونما تردد..  
  يا لهول ما حدث!!، وبالها من مدينة متناقضة، آلت نهضتها العلمية القديمة إلى مهب الريح، كم من دموع أذرفت أسفا على دمار حضارة الأسلاف، على رحيل الأجداد وفقدان رونق الحضارة القديم.


ـ2ـ

          اليوم الاثنين ذكرى أحداث الانفجار  الدامي  ذلك الدمار النووي المشئوم الذي أتى على الأخضر واليابس من حضارة القدماء مطيحا بها فتغيرت خريطة العالم إذ تقلصت مياه المحيط الأطلسي في المحيطين الهندي والهادي والتحمت قاراته داخل دائرة واحدة وأصبحت من التلاحم بحيث يصعب تشكيل حدود مرئية لعالمها القديم،،لقد جعلوا منه يوم حداد سنوي  فيسمح للعاملين بترك أعمالهم في الساعة الحادية عشرة للصلاة من اجل الأسلاف، وقد جاء صوت الناعي عبر الموجات السمعية قائلا: " نحن نجل حضارتهم القديمة فقد كانت السبيل إلى حضارة لا تعرف الفناء.. نحن مدينون لهم بأشياء كثيرة ونأسف لكل ما عانوه في زمانهم من أخطار أودت بأمنهم واستقرارهم النفسي وأحداث عصيبة نجمت عن قصور نواحي حضارتهم وعدم شموليتها.
     يستعيدون في ذلك اليوم مجريات التاريخ.. إنهم ليصلّون الآن من أجل الراحلين ومن أجل مجدهم الغابر، لقد أعادوا بنيان الحضارة مرة أخرى واستعانوا في ذلك بنفثات قليلة متبقية من علوم السابقين وبمقومات الحضارة التي احتفظت بها خلسة بعض الشعوب المتمردة وعبثا حاول علماء الكوزمو استرجاع تقنياتها العلمية الأثيرة، واستبقاء شيء من إنجازاتها السرية العظيمة ، حتى ظهرت ثورة التداخلات المكانية،  فأنشأت عهدا جديدا جعل من كل ما سبقه من عهود هراء وتفاهات، ويتضاءل إلى جانبه شتى الاكتشافات العلمية التي تفاخر بها البشر على مدى قرون طويلة.

       لقد كان التداخل المكاني ثورة علمية هائلة، قلبت موازيين كل القوانين المتبقية منها وتلك التي دمرت ، وجعلت من الاتصالات العادية كالهاتف المحمول والمرئي والانترنت أمرا ضئيلا، لا قيمة له في ظل الطفرة الكوزموية الواسعة التي اصبح بإمكانها إحداث تداخل ثنائي وثلاثي ورباعي في الأطر المكانية البشرية، ونقل الجسد إلى مكان آخر ودون ان يغادر موقعه عبر موجات كهرومغناطيسية مغلقة مع موجات المدار السابع، اقتراب المكان أو ابتعاده غير ذي أهمية،ونادرا ما تؤثر أحوال الطقس وتغيراته قي قوة التداخلات التنقلية عبر كوكب الكوزمو.. انه أمر فاق كل تصور، وأجدادهم القدامى إن يعودوا إلى ذلك العصر فستذهلهم تلك الثورة،  ويكتشفون أن حضارتهم التي تباهوا بها طويلا لم تكن سوى خيطا سلكيا رفيعا لا يرى إلا عند انعكاس أشعة الشمس عليه.
      اكتشفوا أن كوكبهم يحمل تريليونات الموجات الكهرومغناطيسية وتشيليونات الذبذبات التي بإمكانها انجاز ما يفوق الخيال وفعل ما كان يراه الإنسان القديم ضربا من المستحيل، وأن لكل إنسان غلافا خاصا به، وأن لهذا الغلاف شيفرة موجية يمكن التواصل معها من أقصى نقطة من الكوزمو، وليس مطلوبا سوى استدعاء تلك الشيفرة وطرقها عبر الذبذبات التي تحملها، فينتقل الغلاف بما يحويه مغناطيسيا إلى المكان المحدد، ولكنهم قننوا الواقع بإيجاد روبوتات صوتية صغيرة تستقبل الذبذبات وتجيب عليها بالرفض أو القبول.
     لذا ينظرون اليوم إلى حضارات سابقة باعتبارها رمز البدائية وانغلاق العقل، ولكنهم لم ينكروا يوما ان أسلافهم مهدوا الدرب الذي انطلقوا من خلاله إلى مشارف حضارتهم المهولة، ويفخرون الآن بمقدرتهم على إعادة البناء وتفوقهم غير المسبوق.
      ويقول الناطق الآلي باسم حكومتهم: إننا لنرجع بذاكرة التاريخ إلى الوراء فتخبرنا كم عاني أولئك الأسلاف من التخريب والدمار والموت بسبب بدائية وسائل اعتمدوا عليها من طائرات وقطارات وهواتف سمعية أقصى ما تحققه هو نقل صورة موجية من مكان إلى آخر عبر شاشات محدودة.
      لقد أصبح بإمكانهم نقل مجسمات أجسادهم دون الحاجة إلى مسطحات ناقلة، بل يستنسخون الشخص إن أرادوا في أجساد عديدة بشرية أو آلية، فترى بنيته في أكثر من موضع، يا لهم من عتاة جبابرة!!..   إنهم ليفخرون بسيطرتهم على كل شيء، وبأن أبعاد الكون المحيطة بهم صارت ملك يمينهم وهم في موضعهم لا يحيدون عنه قيد أنملة.
      فقط يشكلون دمية بشرية تحمل قسمات من يريدون وطبيعته الجسمانية، ثم يبثون إليها عبر تقنيات دقيقة أساليب التعامل المطلوبة لتحقيق أهدافهم، فتسلك السلوك البشري دونما خلل او تمرد. فلا يوجد اختلاف بين الأصل والصورة يسودهم اعتقاد بأنهم يحملون نفثة سحرية لذا يملؤهم إعجاب بمقدرتهم على الإبداع والتفرد،  ويسعون جاهدين إلى الحفاظ على حضارتهم في حال تعرض الكوزمو للدمار فيرسلون مستحدثاتها أولا بأول إلى قواعد أمنية تكنولوجية في كواكب عدة.
      يسيطر على القوى المحركة في مدينة السحر رغبة في السيطرة على فضاء ذلك الكون الممتد الرحيب.. ترى هل ينجحون في ذلك؟ هل ينجحون حقا في امتلاك مقاليد النجوم والمجرات والهيمنة على الكواكب السيارة؟..  يسودهم اعتقاد أن لا شيء بإمكانه تحدي إرادتهم. 


ـ3ـ
      خرج من مركز " الأبحاث الجذعية  " في ساعة الحداد الرسمي، منفردا، غير عابئ بشيء مما يقال عبر الموجات التحدثية العامة عن اليوم الأسود وذكراه الدامية، فلم يعنه الأمر في شيء، وبدا مستاء لكثرة الخوض فيه، اتجه لقمرته  الزرقاء ليحلق بها إلى خطيبته " سالي " ليقضيا يومهما في صالة التزلج، نعيم متوسط الطول، نحيف، أسمر البشرة، كثيف الحاجبين، لم تتق نفسه إلى شيء ولم تنبسط بداخله أدنى أمنية،  البوصلة الملصقة فوق أذنه وسيلة اتصال غير منقطعة بينه وبين " سالي".
 أراد أن يخبرها بقرب وصوله فتحدث أثناء سيره قائلا:
-         سالي!
-         جاءته صورتها الثلاثية الأبعاد مجيبة في صوت رقيق:
-         مرحبا حبيبي..
-         سأحضر إليك خلال خمسين ثانية، فهل انتهيت؟
-         اني في انتظارك.
-         انسحب غطاء " القمرة " عند اقترابه منها وقال وهو يقفز إلى داخلها :
-      ــ    أحضرت جميع أدواتك ؟
    ـ طبعا، أحضرت كل شيء ثم فكرت قليلا وقالت: باستثناء.. ثم هرولت لإحضار قبعتها الهوائية.
      أعطى نعيم أمرا بالانطلاق فتراءت له على الفور طرقات المدينة الجوية على الشاشة الأثيرية الملصقة بشاشة القيادة، ضغط  زر توجه المجال الجوي، والتشغيل الشمسي، انتظر ثلاث ثوان .. نظر إليها متظاهرا بالاستياء، ثم ارتفع عاليا، يسود الهدوء رغم الازدحام الجوي، والقمرات الطائرة من حوله أشباح بلا صوت، مقعرة ملساء صنعت على ذلك الهيكل كي لا تصطدم بالطيور أثناء طيرانها ناهيك عن إصدارها ذبذبات صناعية تمنع اقتراب الطيور منها لذا يندر ان ترى طيورا في سماء الكوزمو عدا أطرافها النائية البعيدة عن شباكها الجوية.
سالي رشيقة بضة، دقيقة القسمات، في حدقتيها زرقة رائقة تضفي على روحها لطفا ومرحا، تمايلت خصلات شعرها وهي تقول:
-         كيف كان عملك اليوم؟
مط شفتيه ممتعضا وهو يقول: لا جديد
-         وما الجديد الذي تنتظره؟
تمتم في شرود قائلا: لا أدري! 
       حدق في شاشة القيادة أمامه والتي تعطي رسما تخطيطيا لشوارع المدينة الداخلية وأحيائها ومبانيها، ثم طلب الموضع المحدد عند المسار الجوي رقم 16 حيث يقبع منزل سالي، تابعها وهي ترتدي حذائها في عجلة.. ما أروع طرقات المدينة وقد انبسطت وامتدت في نسق ممتع، وما أبدع تناسق أحيائها ومنازلها المتشابهة..
  يتوسط كل حي دوائر قزحية من الخزامى والاقحوان.. ويربط بينها بساط عشبي.. جمال فاض رواؤه.. ولا يقنع الرائي منه بشيء فتبقى بأعماقه لهفة إلى المزيد من التأمل. الحركة في سماء " الكوزمو " ليست عشوائية وانما تسير وفق ضوابط وقوانين لا يتسلل إليها الخطأ.
    ما أروع سماءها وقد زينت بنجوم دقيقة ما أشبهها بنجوم الفضاء، إنها منتشرة في عقود لؤلؤية تبدو متشابكة بيد أنها متناسقة في روعة لتنظم عملية الطيران في سماء تلك المدينة الساحرة.. لقد وجدوا أن أشعات كاشفة بإمكانها إضاءة قشرة الغلاف الأرضي فتسلط  على تلك الخطوط الجوية غير المرئية لتكشف شبكة معلقة ذات طرق جوية أفقية ورأسية متدرجة الارتفاع ومنها ما يشكل زوايا قائمة للالتقاء بمواقع أرضية، ومنها ما يشكل دوائر متنامية البعد ولكنها جميعا تبدو كعقود لؤلؤية براقة تزين سماء غير محدودة..
      ينتهي كل طريق جوي منها بخط عمودي يمتد إلى الأرض، لتهبط منه القمرية إلى حيث تريد،هي خطوط غير مرئية ولكنك تبصرها مليا حين ترى مسارات القمريات الطائرة، وتتابعها، الروبوت الناطق يعرف طريقه جيدا وما على القائد الجالس أمام شاشته الا أن يخبره بالمسار الجوي الذي يريد أو بالحي الذي يرغب في الوصول إليه.
     حقا ما أغرب أولئك البشر، لقد امتلكوا المقدرة على صنع المعجزات القاهرة ، على تسلق السحاب وعبور أقطار ذلك الكوكب الذي قصر عن استيعاب حضارتهم، وتضاءل أمام مستجداتهم التي لا تنتهي، من أين لهم بتلك القوى الخارقة؟، كيف ساسوا كل ذرة من حولهم وأدركوا مكوناتها حتى استحالت لبنة في بنيان حضارتهم ومجدهم الباهر..
     يوم هبط ذلك الإنسان إلى الأرض كانت أنامله خواء.. لم يملك حينذاك سوى عقلا بدائيا غير أنه أقام وتربع وارتفع بنيانه وتضخم وانتشر كألوان الطيف وهاجر مثلما الطيور وحلق كما الهواء وتنفس داخل الماء وامتدت يده إلى جنبات الكرة الأرضية الأربع ولم يعوقها غلافها بل امتدت إلى الفضاء فأمسكت بالنجوم وحصت رمال الكواكب، وشيدت فوقها  قصورا للمغامرين والمرفهين، فاتخذوها مصيفا ومشتى لهم، ان مقدرتهم فاقت مقدرة كائنات غير محصورة...
    يقال إنهم فتشوا في جينيوم الإنسان عن الرؤى الأولى للجنة التي عاش بها في بدء خلقه وراحوا ينسجون على منوالها جنة أرضية، لا تعرف حدودا للمكان أو للزمان، بل تكاد لا تعترف بهما، فكل شيء يصغر إزاء امتدادها ورحابتها.. والأجساد تخف لتتنقل كيفما أرادت، والبيوت متراصة في نظام وإبداع كأنها قصور مضيئة، والعقل صاف ٍ متألق، لا يكدره حزن أو احتياج.. أو قلق.
    حقا إنها جنة أرضية ينظر إليها الخامل فيعود مبهورا هائما على وجهه، فالانجذاب اللوني لعمرانها يجعل العين تعاف ما عداها من جمال ورونق، فمن حدائق هندسية ممتدة على مرمى البصر إلى قصور مأخوذة من لون الطيف الرمادي البراق، مفترشة فوق بسط خضراء، إلى جسور أرضية جعلت لتلك الشاحنات الضخمة التي يسمح لها بالتنقل عند ساعات الغسق.
  معها تشعر أنك في بوتقة عطر خلاب، يأسرك من أول وهلة، صاعدا إلى بروج مشيدة من الماس والعنبر، وأن فصول العام قد اجتمعت في فصل جديد لا يعرف البرد أو القيظ ،لا يشبعه الربيع، أو يعصف به الخريف، فصل يذوب نعومة كأوراق الورد، ويتثنى كأفنان الزيتون تتراقص مع الموج.   

        في مدينة السحر اكتشفوا أن جميع الأصوات البشرية منذ الأزل ومنذ بدء الخليقة في رجع داخل موجات زمنية معلقة في فضاء الكون، ولكل عصر موجة خاصة به ولكل ذبذبة عقودا خاصة.. حتى الأحاديث الفردية والثنائية وجدت عبر شعيرات موجية.. عكفوا طويلا على سماع هذه الأحاديث واستنباطها وتكشف لهم تاريخ الكوزمو الطويل عن حقائق مريعة لم تكن في الحسبان فكم من أباطيل قيلت وكم من ادعاءات حلقت فوق سمائها وصدقتها شعوب مغمورة طواها الأديم منذ أحقاب طويلة.. وكم من جرائم ارتكبت على ظهر مدينة الكوزمو وعجز منقبوها آنذاك عن كشف أسرارها حتى أماط عنها النقاب علماء الشفرات الصوتية.. انه لأمر مريع أن يظهر كل ذلك الكم من التضليل للشعوب الفقيرة والمعذبة، وان تساق في مثل تلك الوحشية نحو فقاعات وأكاذيب أسطورية، ها هي الموجات الشفرية تعيد أصواتا ابتلعها العدم.. وتنقل أحاديث إرهابية لم يسمعها أحد من قبل..
         ولكن هذا الأمر لم يشغل أحدا من قاطني مدينة السحر، ولم يعن بتقصيه والبحث فيه سوى ذوي الاهتمامات الجامحة من علماء هذا الكوكب الأزلي..إنهم يسلطون أقمارا ذات تردد معين حول تلك الموجات لتعبر مسارات إشعاعية مختلفة فتنطلق ذبذباتها الصوتية دون عوائق.
          وجدوا أن كل موجة منها ترتبط في موقعها بخط غرينتش الذي يحكم خطوط الكوزمو الأرضية، وقد سنحت لهم حينئذ الفرصة للإطلاع على حضارة القدماء عن كثب، ودراستها بعمق لاستجلاء مفاهيمها الغامضة.. 
ردد روبوت القيادة: المسار الجوي 16، وصول.
قال نعيم وقد التصقت قاعدة القمرية بهيكلها المقعر: هيا 
    حملتها الخفة فوق درجات السلم، وفتحت أمامها أبواب المنزل بتلقائية معتادة، وراحت تتمايل سيرا فوق عشب سندسي وبين ورود تخطفحمرتها الزاهية الأبصار .
      لا يستغرق التجوال في مدينة الكوزمو بأكملها سوى دقائق معدودة، فالزمن في هذه المدينة أطول عمرا من المكان ذلك الحلم الخاطف المنبثق من مخيلة ثرية. لقد  وضعوا أسس كل شيء.. فالقمرات المحلقة لا تتأثر بضباب او اصطدام أو أمطار صنعت من تكوينات فريدة بحيث لا يسهل تدميرها أو تحطمها أو حتى احتراقها.
    وهندسة الإنشاءات في مدينة "الكوزمو" تعتمد نسقا واحدا تغمره الإثارة والمتعة، اتخذت في الأحياء المزدحمة طرازا يقوم على الشكل الهرمي المرتكز على قوائم فولاذية، بينما تتنوع في الأحياء الأخرى ما بين أبراج شامخة ساطعة وقصور رابضة متراصة. 
    انزلقت من باطن القمرية الانسيابية ساقان مفلطحتان أثناء هبوطها فوق فسيفساء صالة التزلج، وبعد نزولها انكمشت القمرة كبيضة ملونة، وصعدت إلى موقعها العلوي.صالة التزلج.
همست في دلال وهي تتأبط ذراعه: تغمرني السعادة حين أكون معك 
تمتم قائلا:
ـ وأنا أيضا
ما بال الأشواق قد انحرفت عن مسارها وتبعثرت كلغات شتى، وما بال الفؤاد معرضا عن لفحة الحب اللائذة بلمسات الطهر الندية.
     أزاحت سالي عن صدره بعض الفتور وبثت مداعباتها في نفسه ومضات بهجة ذابلة، ومرت ساعات اليوم الطويلة في انطلاقات مرحة وفورة سابحة فوق الجليد، وهيمان أجوف، تكتسحه حيوية مفرطة، انطلقا بعد ذلك إلى سماء مدينة " الكوزمو "، طارا معا، ذابا معا، ثم هبطا للغداء في أحد المطاعم.
   هذا هو الكائن الذي أبى إبليس السجود له حين أمره الخالق الأعظم، ها هو إبليس يجفل في حيرة، انه ليعجز عن صنع شيء مما يصنعه البشر، وانه ليعد ما يفعلونه ألاعيب بهلوانية، ويعجز عن تصور كونها حقيقة قائمة على العقل..حقا ان مادته تهيئ له الطيران وتدبير الخطط والدسائس والمؤامرات ولكنه يحيا في رداء ذلك الإنسان، تذهله انطلاقاته غير المحدودة بيد أنه يظهر الألفة والاعتياد، ينعم بمنجزاته،يتكيف معها لينسج من خلالها خططه التي لا تنتهي،  يستقي خبراته  دون ان يرقى فكره الشيطاني إلى الإلمام بها أو فهمها فهي اجتهادات صرف لذلك الإنسان الذي استكبر الرضوخ له منذ زمن بعيد. فكانت حضارتهم أقوى من الشيطان.


ـ4ـ

     عادت " سالي " إلى البيت كملحة حلوة، ويقع في حي " سادنا " في الجانب الشرقي من مدينة السحر، سالي تنتمي إلى أسرة عصرية، يسودها هدوء وسكينة، ولا تقلقها أحداث من تلك التي تقلق " الكوزموبو " فنوال استقالت من وظيفتها في " مؤسسة فراسيد " وهي مؤسسة تحدد الشخصية والملكات العقلية بواسطة دراسة شكل الجمجمة أو فراسة الدماغ ، وتقوم حاليا بالتخطيط العقلي لأولئك الذين يعجزون عن تفعيل أمورهم العقلية بصورة طبيعية، وسمير " والدها " يعمل " ليثوغرافي ضوئي ".
     القصور في ذلك الحي متساوية الارتفاع والمساحة، مكونة من طابقين، اردوازية اللون ويبدو أن هذا اللون مأخوذ من رقائق النيكوليت الرصاصية التي صنعت لتحجب الاختراقات التجسسية. 
     في بهو المنزل الداخلي علقت جدارية تجريدية تعكس قسمات بشرية ضمن طبقات لونية متنافرة، ولكن سرياليتها تناغمت مع قطع الأثاث البيضاء الرقيقة، المتراصة في رحابة وأريحية فوق رخام أملس تمتد في عمقه زخارف مصقولة باعثة نسائم خمرية.
صعدت سالي إلى رواق المعيشة العلوي وقالت في مرح ملائكي:
ـ مساء الخير أمي
     نوال مستغرقة في القراءة وقد بدت في نفس عمر ابنتها تقريبا بفضل ما توصل إليه علماء الجمال البشري من  توجيه الجسم إلى إفراز أنزيمات مقاومة للشيخوخة ومجددة لخلايا الشباب، رفعت عينيها قائلة:
ـ مساء الخير حبيبتي، كيف أحوال الطقس في الخارج؟
ـ طقس مشرق وصحو ثم ارتمت سالي على الفوتيه الرخو وهي تقول:  إليك أخبار سارة، سنشتري بيتنا الجديد غدا
ـ حسنا، وأين سيستقر بكما المقام؟
ـ أعتقد أننا سننتمي إلى الحي البرونزي؟
ـ ولم لا تقيمان معنا في الحي الشرقي؟
ـ نعيم لا يميل إلى ذلك؟
ـ وأنت.. أتوافقين ميوله باستمرار؟ 
ـ لا، ولكني لا أجد فارقا بين الاستقرار هنا أو الإقامة هناك.
ـ الفارق كبير عزيزتي، وقد لا تدركينه الآن، ولكنك ستعانين منه حين تجدين أبناءك ينتمون إلى فكر دوسوي معقد.
ـ حسنا سأعيد التفكير في الأمر.
انتبهت سالي إلى نداء نعيم عبر الروبوت الصوتي المدمج فغادرت الرواق إلى غرفتها.

                 

ـ 5 ـ

      أنهى " نعيم " حديثه مع سالي، ثم طار إلى كازينو " الأحمر الدائري" في وسط المدينة، انه كالوحش الهائج، فالأيادي الممتدة تتمايل سويا تحت سقوف زجاجية مصقولة تبلغ مساحتها بضعة أميال والصوت قادم من كل اتجاه، يحمل الهواء صداه المزودج، وأضواء اللوسفرين المجنونة معلقة كملايين المجرات من النجوم،أما القمرات فمعلقة حول المبنى البلوري.. شيء أشبه بالسحر.. بل إنها لكلمة قاصرة عن جلاء الواقع المرئي،  فمدينة السحر أروع من أن تدرك مداها الكلمات ولو اجتمعت  لوصفها كل اللغات.
      ترك  قمرته عند المدخل الحادي عشر ثم أمرها بالتحليق إلى  الغلاف رقم 2250 وهو المسجل على شاشة الروبوت المنظم، إن سالي لا تتوافق مع مثل هذه الضوضاء لذا اعتاد المجيء بمفرده، ويصادف ذلك من نفسه ارتياحا غريبا لا يدر ما سببه. بددت نغمات الأوركسترا المدوية ركودا بداخله وأزاحت ثقلا عن صدره، فذاب في غيبوبة صوتية، انجذب مع الملايين في هيمان ووجد، انفرجت أساريره المتشائمة،  وتلبسته حالة الكتروستاتية نزعت الروح عن الجسد كما تنزع من شوك دام ٍ لترتطم بالجدران وبأبنية ملساء شاهقة، وتغادر المكان سابحة في عوالم غير متناهية، صانعة وعيا خاصا بها.. حبات تبرق، أجساد تتلوى، صرخات شيطانية، رائحة طعام شهي تملأ الفراغ المحلق، كائنات تحملك إلى أسرار الخطيئة الأولى..ألوان الطيف تتحول إلى طبقات سماوية محلقة وتفترش رءوس المترنحين، الذين ابتلعتهم النشوة المعربدة، انغمر في صوت مهيمن كالريح ترتفع طبقاته كالصعود إلى قمة بركان ينصهر وتهبط  كما الجلوس عند جدول منساب.. ثم تستقر عميقا في سكون مستقطب.. ولكن نعيم يفيق من لحظات المجون العقلي على نداء سالي عبر بوصلة الأذن، فيضعها في جيبه، يحاول الاندماج مرة أخرى في دوامة الأوركسترا المتصاعدة ولكن صورتها تتخايل أمامه مخاطبة إياه  فيبدي الزجر والتأفف. النغمات تدور وتحلق والسحالي ترقص منتشية.. السعادة باقية هنا إلى الأبد.. في هذا المكان الأخضر.. أخضر أم أحمر؟ أحمر أم أخضر؟ أحب أم أكره؟ من أين تأتي ذرات الغبار ونحن في مدينة السحر؟ وكيف نتلاشى ونتحلل داخلها في زمن ما؟ أتحسس في داخلي شيئا دمثا فأجد أعماقي جوفاء خالية المعنى والقيمة، لا تمنحني سوى صليل فاتر.



ـ 6 ـ

     النشوى تعود خالية الوفاض فتمحو عذوبة اللذة، كعادته كل صباح تبتدره ذكرى أخيه "رامز" الذي توفي قبل عامين حين تحطمت قمرته فوق جبل "أيريا ". يهفو الضجر إلى نداوة ماضية، ونجم سعادة آفل.
    كثيرا ما بارى أخيه في التحليق بالقمرية النفاثة والعبور بها من أطراف مدينة السحر الشمالية إلى شرقها دونما يأس او كلل، لقد كانا متلازمين، حملتهما الأحلام المحلقة والآمال العريضة، وجابا أقطار الكوزمو معا إذ كان التحليق في سمائها هو التسلية الوحيدة في أوقات لهوهما.
تنافسا ذات يوم على الوصول إلى المسار الجوي السابع والعشرين، وكان رامز الأسرع في الوصول، فتوقفا في جرأة وسط الزحام الجوي، وراحا يتبادلان النكات والضحكات:
نظر رامز عبر نافذة قمرته قائلا في انتصار: قلت لك أنك لا تستطيع منافستي.
فكرر نعيم  بيده قائلا: سترى في المرة القادمة هزيمتك الكبرى على يدي
فقال رامز ضاحكا: دعك من الكلام الآلي.
فقال نعيم وهو يمط شفتيه:أنت الآلي وليس كلامي.
انتبه الشرطة الجوية قادمة نحونا هيا فلنعد إلى البيت وإلا حصلنا على مخالفات جسيمة.
      مرت ساعات طويلة دون أن يخاطبها كما تعودا، كانت تسافر بينهما الهمسات والأحلام، وتتواتر في سلاسة ودفء، ولكن القلب اعتراه سأم ثقيل، وبلادة الإحساس تطمر تحتها خلايا الحب المتوهجة،تناديه وتطلبه عبر البوصلة المرئية، وتحدس انه يعمد إلى عدم الرد عليها، يتوثب قلبها في دقات عنيفة، الرغبات المتدفقة والأنفاس الدافئة هل ينتابها هزال وفتور؟ أيستهلكها الموت فتبرد إلى الأبد؟ كثيرا ما نغفل معنى أنفسنا؟ وننسى أن نبضات القلوب ترسل وتستقبل، تعقل وتشعر، تختزن وتؤلف، لا تستسلمي للبكاء، ما زلنا بحاجة إلى طاقة جبارة نقهر بها العذاب..آه يا نعيم لو أعي سببا لسأمك ونفورك.. لماذا تغلق جميع نوافذك على عالمي المتطلع إليك؟
       القوانين في مدينة السحر لا تسمح بكشف عورات الآخرين، فقد انتشرت منذ عقدين تقريبا ظاهرة كادت تفسد الحياة على الكوزمو حين قدم العلماء إلى البشر تلك الوسيلة التي يستطيعون فيها كشف أسرار الآخرين واقتحام عوالمهم دون بذل أي جهد فيكفي ان يسلط الراغب موجة دائرية تحمل البعد البؤري الذي يريده حتى تحمل له صورة الشخص المطلوب وصوته أيضا، فلم يعد من أسرار على "الكوزمو " الجميع لديه القدرة على الإطلاع على ما يفعله الآخرون،فقام " التشريع "  بمصادرة تلك الأجهزة وبتوقيع جزاءات عسيرة على كل من تسول له نفسه الإقدام على هذه الخطوة. وقد استغرقت محاربة هذه الوسيلة سنوات طويلة .
الروبوت الناطق يخبره بمئات المخاطبات الالكترونية من "سالي"، فمط شفتيه في لا مبالاة، أعاد وضع بوصلة التداخل فوق اذنه فجاءه على الفور نداء " سالي " وظهرت صورتها المرئية على يساره  فأجاب بنبرات كئيبة:
ـ صباح الخير " سالي "
الحديد الأصم يصد نفثات مكفهرة
ـ أين أنت حبيبي؟
قال في ثقل وتراخ:ـ في البيت
ـ حادثتك أمس كثيرا، ولم تجب، هل حدث شيء؟
ـ لم أرك يبدو ان الروبوت كان عاجزا عن الاستقبال
ـ ألن نلتقي اليوم؟
ـ لا أعتقد عزيزتي، فسأذهب وراجي لمشاهدة مباراة كرة القدم في أرمادا. 
ـ حسنا عزيزي، اعتن بنفسك. 
ـ إلى اللقاء
      لمست سالي ما اعتراه من تغير بعد وفاة أخيه، وجعلت تلتمس له الأعذار يوما وراء يوم، وتتغاضى عن سوداوية نظرته إلى الحياة وتخاذله عن الاستمرار، وتراجع الموجات العاطفية التي كان يبثها إليها دوما عبر غلافه الأثيري.  
  رجع الصوت جاف متنصل، وحرارة اللقاء انطفأت، لا اشتاق، لا أحزن، لا جديد، لا أريد.. خرج من عمله وزميله " راجي " ليذهبا لمشاهدة مباراة كرة القدم بين " اسكندنا و أرمادا، يتأمل نعيم الوجود المنظم من حوله، اتساعه يناقض الأفق المطبق عن بعد، ونجوم الفضاء وكواكبه تخبر بأن ثمة إجابة لسؤال مرير. ألقى ببوصلة الغلاف الضوئي بعيدا وهو يتساءل في فتور مرير: ماذا أريد؟
فقال راجي وهو يعجب لتصرفاته الغريبة: 
ـ تريد أن تحطم غلافك البديع وتدمر وجودك المشرق؟ 
ـ  بل أريد أن اقبع داخل عصور مظلمة .. أن اجهل ذاتي أو أن يجهلها غيري.. أن اخرج من بوتقة العري المفضوح والهمسات المرئية.. وأقبع داخل أردية من الخيش والقش، لم تلمسها أنامل آلية..
ـ  كفاك هذرا، أنت معذب الفكر.. بحاجة إلى علاج جيني قبل أن تتفاقم جيناتك الهمجية.
ـ مرحى للهمجية والتخلف والدماء المتفجرة من رؤوس مشقوقة.
ـ ما أبشع تصوراتك وخيالاتك! وما أغرب حيرتك!
ـ حقا.. ما أبشعها.. إني التائه أبدا في بحر عقلي المستعبد!
ـ  ومن الذي استعبد عقلك أيها الحانق؟
ـ من الذي استعبده؟..
ـ استعبدته عقول خالية من النبض.. عقول الكترونية.. تسيدته فأصبح لها عبدا..  عقول تنمو داخل حدود غير مرئية..نصنعها لترقب هواجسنا وأحلامنا.. لتشي بما تضمره قلوبنا من كراهية وقنوط ويأس.. تسطو على ما تبقى من جراحنا فتأسوها غير مبالية برغبتنا في استعذابها والتوجع بها.
ـ بإمكانك الاستغناء عنها تماما .
فقال ساخرا: الاستغناء عنها؟ إني أفكر في إرسال دميتي إلى سالي
ـ كيف تفكر في ذلك، ألا تعلم أنها جريمة يعاقب عليها قانون الكوزمو؟
ـ  على رسلك إني لن استخدمها في السرقة أو الاحتيال.
ـ أنت تتعلق بدمى.. بأجساد أخرى، تظنها ستحميك من الموت؟
ـ لا، ليس الأمر كما تتصور
ـ إذن فسر لي ما يحدث.
ـ أردت التخلص من دور ثقيل
ـ إن كنت لا تحبها اخبرها بالحقيقة وليس من داع لخداعها بهذه الصورة المقززة.
ـ لست أدري إن كنت أحبها أو اكرهها ولكنها رفيق ضروري في زمن نجهل فيه أنفسنا.  
 أنت تتلاعب بمقدراتك الذهنية.فلا تترك لخلاياك المظلمة النمو والانطلاق إلى هذا الحد.. اعرض نفسك على طبيب الجينات الوراثية ليقوم بوأدها قبل تكاثرها.. ولا تستسلم لتلك القوى المتخاذلة.

ـ7ـ

عاد نعيم إلى بيته هادئا إلى حد ما، ولكنه لم يدر فيم يشغل وقته، إذ يعيش بمفرده بعد انفصاله عن أسرته التي تقيم  في الحي الغربي مصرا على الإقامة في الحي البرونزي من مدينة السحر.
   أدار جهاز تحكم الشاشة الرقمية وسجل رغبة المشاركة في فيلم سينمائي،طلب منه الصديق الآلي اختيار اسم الفيلم الذي يرغب المشاركة في أحداثه، فوضع يده تحت ذقنه المدبب وقال في صدود : أفلام العنف الدراماتيكي.
الدور الذي تود القيام به صديقي نعيم؟
فقال متململا: سأترك لك اختياره
حسنا.. ولكن هل تفضل دور البطولة أم دورا ثانويا ؟
فقال يغالب نفاذ صبره:
 الأول، ولا تحاصرني بأسئلتك السخيفة 
لا عليك يا صديقي، كن هادئا، ولكن هل لي بطلب أخير؟
ماذا؟
أن ترتدي نظارة الرؤية السداسية
فهز رأسه متلفتا وتناولها في حنق وهو يقول: سأفعل

     يحيا في عصر مختلف، عصر قديم، الهواء يلفح برودة الوجوه والأقدام المغلفة بأحذية مطاطية ضخمة تدوس فوق سطح الأرض الترابي، وتغوص في الرمال، السماء منطلقة أمام البصر، لا يحجب رؤيتها شيء، امتداد الطبيعة الخارق يذيب الجليد المتجمد في أغوار الصدر، والأجساد المتعبة تنطق باندهاش وطهر،وخلجات الأرواح غير مرئية، القلوب المرتجفة تقطر دماثة وحيوية، وتحيا بكامل قوتها، أي عصر ذلك يا ترى؟، لا يهم، ولكنه يبتعد بعدنا عن جوف الأرض، وينتمي إلى قرون أدرينالية، قرون العقل البشري الساذج، نعم كان ساذجا ولكن ثمة متعة لا تراها العين ولا تمسها اليد، متعة لم يستشعرها سوى ذلك الذي وصفته بالساذج، ما أروع الغفلة حين تحتل كياننا وتسيطر على جميع عناصره البيولوجية وتصدر أوامر البهجة والابتسام والسرور، وما أجمل المفاجأة حين تكون هي المطمح، والمطلب الأسمى، ينحني إلى التراب كي يشم رائحته.. فيستنشق سحرا أبهى من عطور الآس ومن زهور الخريف المترامية، يحمل سيفا، يمتطي جوادا شاهقا كالريح العاصفة، يقاتل، يحارب، يستمتع بالدماء وهي تنفجر كغشاء عنيد، يعيش نعيم أحداث القصة التي اختارها بكل جوارحه، ويسيطر عليه شعور بأنه خلق لعالم قديم، ولم يخلق لذلك العصر السقيم.
     توقف جامحا خطوه، فتشابكت الطرقات من حوله كشلة خيوط متنافرة.. متباغضة … تلفت يمينا ويسارا.. من أين أمضي فكل الطرقات تفضي إلى عصور ملتوية وكأني لم أرها من قبل، وكأني تائه.. ولكن كيف للمبصر أن يتوه ومحيطة به جهات أربع.. شمال وشرق وجنوب وغرب ولكن أيها الشرق؟ وأيها الغرب؟.. عندما تحولت الخيوط إلى ضوضاء ذات رنين وجدت أنه من الأفضل أن أعود إلى نقطة البدء وأن أقف عليها من جديد حتى لا أضل الطريق ولكن أين هي نقطة البدء؟ كيف أفك الخيوط للعودة إليها مرة أخرى؟ ما أشد تعقيدها وما أصعب فض الاشتباك القائم بينها.. طرقات متعانقة كفيروسات دودية داخل نقطة لا مرئية.. نقطة مصمتة مفرغة إلا من ضوضاء تصم الآذان..
   ها أنا أقترب بيدي من نقطة البدء.. ولكن قدمي لا تستطيع الوقوف عليها فكلما أوشكت على الرسوخ تلاشت في الهواء مرة أخرى وحاشتها رياح ماضية وتجارب مثقلة بألم وشجن ويأس.. وشرور مستطيرة اعتدت رؤيتها.. ونفوس أوجعتني نصال  سهامها المدمية...
 تمتد يداي إليها علي أمسك بها.. فترنحت رأسي المثقلة بطموحات مجهضة ودروب ملتفة.. كيف أعود أدراجي؟  لا أرغب إلا في البدء من جديد.. أيحرم ذلك على تائه مثلي؟ لم أطلب عسيرا بل إن مطلبي ما أشقه على نفسي. حتى الصعب  جعلوه مضنيا..!
     تعلقت عيناي بذرات تراب تنتمي إلى نقطة البدء..رأيتها مسترخية في جوف غائر عميق..  تراب أشتم فيه رائحة الصبا ووداعة النفس وبراءة الفكر.. نكهته سحر وعطر.. وعفرته قادمة من بدائية التاريخ وذكرى خطوات قديمة فوق دروب الأرض ومناكبها السوية..
    لابد أن يكون لقدمي ثقل كي تحسنا الرسوخ فوق نقطة البدء.. ولكنهما خفيفتان كريشة يحملها هواء مؤكسد، فقدا وزنهما بمرور زمن اعتادا فيه أن يحملهما شيء .. فلم يعد من ثقل يدوسا به فوق نقطة البدء..
    نشبت أظافري في جذوع شجر عتيق.. لتحقق لي ثباتا وسط ذرات التراب القادمة من أريج الفطرة.. ولكن أظافري أدميت بلون قان غلفت به جذوع الشجر.. فترنحت ثانية في ضوضاء فوضوية..
انطلق من أعماقي هاجس قتيل:
-  أتود العودة إلى نقطة البدء؟
- نعم أقولها في أسى.. أرددها في ندم
- إذن انزع عنك غلاف تلك القرون المتلاصقة.. ودمر  خلاياك المعبقة بشذا عصرك المرفه.. واحمل فوق جسدك شيئا من جلود نمور لم تبصر طيرانك في الهواء وركضك فوق الماء وألاعيبك البهلوانية اللامتناهية..
حقا إنه لأمر عسير.. كيف أمحو قرونا ضوئية ؟.. كيف أزيل غلافا لا قبل لي بمحوه؟.. كيف أتوقف عن الطيران في الهواء والركض فوق الماء؟.. كيف أحيا وقد اعتدت ذلك؟.. وما أبشع العادة حين تتملكنا، ولكني أتوق بكل قوتي إلى العودة والبدء من جديد.. أتلهف إلى دقات بدائية غير ملوثة..
- أريد صفحة بيضاء اخط سطورها من جديد..
- احرق صفحاتك السوداء أولا .
- أليس بإمكاني العودة وأشيائي التي أبدعتها.. أوقفني فقط فوق ذرات طينية وسأمسك بها حتى آخر رمق..
- تعود إليها مثقلا بإبداعاتك الجشعة  لتحولها إلى حاملة لجرثومة غرورك وكبريائك ووهم عظمتك؟ عد من حيث أتيت.. ودع عنك عبء التفكير في زمن طاهر.. غير ملوث..ما دمت تأبى الرضوخ والانحناء لبكارة التاريخ.. 
      ما بال القلب قد رانت عليه حفنة من عذاب؟ وما بال الأشواق قد تبعثرت وراحت تلهث خلف سنوات ضوئية وتعرض عن لذعة الحنين اللائذة بطهارة النشوة؟!
    عدت إلى الضوضاء فبددت ركودا بداخلي ودقت أنغامها الصادحة فوق أوتاري الجوفاء فذاب فراغ سميك.. ولكن لا تزال تزحف بين ملامحي قسوة ، وبلادة الإحساس المطمور تطفئ خلايا النبض المتوهجة.. وفراغي الهائل يشبه السكون بعد انفجار مدو.. أما السعادة فغارقة في بحر متلاطم الموج.. يا هاجسي الذبيح ضقت برائحة خطوي المتعب فوق الأرض.
.. يفيق من الحلم سريعا، وتنتهي تراجيديا العود الوهمي ويرفع الستار عن خيالات بائسة.

ـ 8ـ

- مساء الخير نعيم
- مساء الخير، كيف حالك؟
قالت باقتضاب
- بخير
أظهر لهفة وهو يقول:
-         حبيبتي يبدو أن البوصلة المرئية كانت معطلة لذا لم يكن في استطاعتي المجيء إليك
وجدها صامتة فاستأنف قائلا: أحوال الطقس كانت سيئة بالأمس.
- لا عليك عزيزي، الأمر ليس بحاجة إلى تبريرات.
-         ماذا تعنين؟
- لا شيء
منح نعيم وجهه بعض الابتسام  ونبرة صوته شيئا من الانتعاش وسأل قائلا: أخبريني ماذا تفعلين الآن؟
لو أن للقلب أبوابا يسهل إغلاقها، أو أن تبقى موصدة، لو أن العقل يحكم موجات الإحساس الضالة عبر الأثير؟ ورغم المدينة الفولاذية إلا أن للعواصف صرير زاعق.  لا رغبة لي في الحياة، يد من حديد تكبل إرادتي، تقيد فكري ، جرف ينهار فوق المتبقي من خلايا وجداني،  وأحاسيسي.
ـ لن أخرج اليوم.
ـ لم؟
ـ صديقي الآلي اخبرني بانتشار الضباب في سماء الكوزمو ففضلت البقاء في البيت.
     أحس أن سالي بدأت تستاء فعليا من سلوكياته المجافية لها، فوعدها بأن يقضي المساء معها. محاولا بذلك التغلب على رهاب الضباب، وقد أصيب به منذ وفاة أخيه " رامز " الذي عاند تحذيرات الصديق الالكتروني وأصر على الخروج بقمرته في الضباب الخانق فأخذ الصديق الآلي يتجول في البيت محدثا ضجة صوتية وإنذارات متتالية وراح يكرر لقد مات.. مات رامز، فما كان من نعيم إلا أن هرول لاستدعائه عبر المجسم المرئي فأجابه رامز ضاحكا: هل قال ذلك؟ اذن فلينتظر ما سأفعله به عند عودتي.
     وفور محادثة نعيم لأخيه، تهاوت قمرته في حركات دائرية، إن قمرته لم تتحطم ولم تنفجر، فصناعة القمرات في مدينة السحر مقاومة للانفجار والتحطم ولكن سقوطه المفاجئ سبب هبوطا حادا في نبضات قلبه، ففارق الحياة، وتزايد صوت الروبوت صارخا ولم يبال به أحد بل تركه نعيم ساخرا من حمقه وتسرعه، ولكن رامز لم يعد.


ـ 9 ـ

   عندما جاءها في المساء وجلسا يحتسيان الشاي في حديقة المنزل وقد ترامت من حولهما الطبيعة في انبهار ساكن، ومناجاة ملتاعة بين قرص الشمس الراحل والأغصان المودعة. وجدت نفسها غير قادرة على ممارسة المزاح والدعابة معه كعادتها، فسألته قائلة: لم شرودك الطويل؟
ـ لست شاردا
راحت ترقب الشمس وهي تسقط في قلب الأفق ولاحظت أنه لا يرتشف الشاي كعادته، تفرست في وجهه طويلا، فوجدت نحوه إنكارا ونفورا، وأحست أنها أمام كائن غريب ،فنظرت اليه نظرة توجس وريبة ثم قالت في حدة: أنت لست نعيم.. 
ـ كيف تقولين ذلك؟
ـ يا لك من آلي شرير!
ـ ما الذي حدث لك؟ أنا نعيم.. أنا نعيم 
ـ  لست نعيم أنت كاذب وفي نبرات حادة جريحة رددت: أنت دميته.. أنت كاذب.. كاذب .. اغرب عن وجهي
ـ إني لا اقبل أن تتهمينني هذا الاتهام؟ 
أتريد أن أكشف حقيقتك وانك لست نعيم، ركضت نحو مدخل البيت وعادت حاملة جهاز الكشف الآدمي وهمت بتصويبه نحوه.
ـ لا لا تفعلي ذلك سيدتي سأخرج.  وركض إلى الخارج مفزوعا بينما تهاوت سالي فوق المقعد وقد أصابها إعياء واندهاش.. كيف يجرؤ على فعل ذلك؟ انه سلوك لا يفعله سوى الأشرار اختنقت دموع في مقلتيها وشعرت بخوار وانهيار مظلم، ودت ان تفر إلى مكان تجهله، إلى عالم خال من البشر.. من الخداع.. من الكذب.. من دميات مصطنعة وأحاسيس مزيفة، فقدت ثقتها بكل شيء، أأحمل وسيلة الكشف الآدمي فيشاع شكي في الجميع.. وأخسر من حولي.. لم اعد قادرة على التفريق بين الأصل والصورة.
أدرك نعيم الشرك العابث الذي أوقع بنفسه في شباكه، وضاق لاكتشاف حقيقته، ولم تواته الشجاعة لمخاطبتها، حتى خاطبته عبر البوصلة المرئية، وقالت في لهجة لا تخلو من احتقار: ترسل لي دمية شيطانية لتنوب عنك ولتبادلني العواطف المزيفة.. يا لك من وغد! لم أظنك بتلك البشاعة.
ـ أقسم أني لم أعمد إلى ذلك صدقيني عزيزتي
ـ بل فعلت ذلك متعمدا؟
أراد أن يكمل حديثه فنزعت البوصلة المرئية عن أذنها في حدة وألقت بها بعيدا عنها.
     من أنا؟ لم اعد قادرا على التفريق بين المخلوق المقيم في داخلي وبين كائنات أخرى من معدن وصفيح، إنها تسيطر على عالمي، تسوسه في غير رحمة، تفرض رؤاها حتى على أخيلتنا،سئمت صوتي  وأنفاسي..  اشعر بعجز رهيب، إني مقيد الفكر والشعور والأخيلة ، احلم أن أمارس مراوغة ما.. أن أمزق كفن الكراهية الذي يكبلني.. ان ارتدي مسوح الملائكة أو أنقض انقضاض الأفاعي السامة ..أن أدمر شيئا ما.. الأحاديث المكشوفة تريعني.. الشهيق الخانق يقتل روعة الزفير المنطلق، والخلجات تدخل ضمن شرعية المراقبة.. الوتر المشدود محتم ألا ينقطع.... اسكبني فوق رمال برية أو أطلق يدي نحو محرمات مقطوفة.
جاءه صوت الروبوت المنزلي قائلا:
ـ ما سر غضبك سيد نعيم؟
ـ لست غاضبا انصرف عني.
ـ يا له من سلوك غريب!
ـ لا تدفعني إلى تحطيمك.
 ـ سيدي أن هذا الأمر جد خطير.. أنت تعلم انه لا يحق لك تدميري وباستطاعتي الإبلاغ  عن ظهور خلايا محرمة في تكوينك الآدمي
ـ انصرف أيها الأحمق.. لا أطيق سماع صوتك الكريه.


ـ10ـ

     امتطت قمرتها الزرقاء، هبطت بها عند أطراف المحيط الهادئ، راحت تتأمل مياهه الممتدة في رحابة وصقل.. المتعانقة مع شواطئه في هدوء واطمئنان..  تمزقت بين يديها معاني الوجود،  ويأبى كل ما بداخلها أن يستكين، كثيرا ما كان يناجيها:فتاتي الجميلة.. الرائعة.. أنت الكون .. أنت السحر .. كيف كان الحب خداعا وكذبا؟ وكيف أمست أحاديثه العطرة فحيح أفاعي ماكرة؟.. فليتركني العالم أنغلق مع ذاتي.. أحيك شرنقة الموت وأتدثر بها. اقتحمت عيناها صفحة الذكريات الممتدة فوق وجه الماء المصقول، في نظرات ملؤها يأس وشجن.. ما ظننت الحب ينكأ في قلبي جرحا غائرا، اعتقدته روضة فواحة لا يذروها شيء فكان ذر رماد وبعثرة حروف، وما توهجت القلوب إلا لتحترق .
      لو أن نجوم السماء اجتمعت معا لتخبر الأرض بالحنين المتدفق إلى ربوعها المنطلقة والى أساريرها المنشرحة لما استطاعت أن تجسد مشاعر الشوق واللهفة، ولو أن قطرات الماء العذبة انسابت فوق رمال متشققة لما كان ذلك دليل الارتواء والنداوة، ولو أن طيورا محلقة عادت إلى أعشاشها ظافرة بالغنم لما كان  ذلك كافيا لتحقيق الشبع والامتلاء.. ولكنك أنت وحدك يا حبيبي تلهب النجوم وتنساب كالماء ورغم كل شيء، ورغم صوت العقل المتوعد ورغم الشعور بالخيبة واليأس إلا أنك لم تزل ملء الفؤاد  وخليل الروح ولم يزل صوتك رغم جفائه وبعده رفيق الوجدان والخلايا الخدلى، ولا مفر من تذكر عينيك والاستسلام لمناجاتك الضائعة وسط أوهامي وعذاباتي  وأسراب عقلي  المسيطرة . 
       ليتني أملك خيط العودة إليك ولكني بإرادتي مزقت كل الخيوط، وحلت دون إعادة نسجها أو السماح بغيرها، والعودة عن قرار مؤلم غير مجدية،  والتخلي عن المنطق والوعي تفاهة ونزق …
   أخالك لاهيا عابثا غير مهتم، بل أظنك قد محوت الذكرى وما وراءها، وألقيت   بسعادتي في بئر آسن.. آه كم تمنيت لو أطير إليك حيث أنت.. وأحمل أغاريد الحب وأغاني اللوعة لتضمها بين يديك في حنان وحب ..وفي شوق وحرقة فتطفئ بعضا من حنيني وشيئا من نيراني ……
نسيانك قدر أمليته على نفسي، وفقدانك قرار بالبتر.. ما للقلب وقد أسكنته الآلام وخدرته الأشواق وما للنفس العليلة قد انزوت واستكانت كطفل محروم!!.وما للعين قد حفظت معنى الصمت وقرت أمام الذكرى كعصفور جريح؟
نفثات العشق يبثها أريج خفي فتعطر وجودا وتنعش روحا هائمة، حين أتذكرك تحمل ذكراك صورة ضياعي وتدوس قدماي فوق الهواء، وأجدني في محيط متلاطم دون أشرعة ودون رفيق …
لا لأني فقدت الحب ولكن لأنك يا حبيبي لست جديرا بالحب..
بذلت جهدا مضنيا لمداراة لوعتها وآلامها ولكن قسماتها النحيلة كشفت ذبولا اجتاح فؤادها الغض.
    لمحت سالي في السماء غيما أسود قادما عن بعد، تأملته في شرود حتى بدا المحيط كأنما ينقلب هابطا من أعلى نحو الأرض، اعترتها هزة وقشعريرة وحل إظلام مفاجئ، ودمعت عيناها بغزارة دونما استسلام للبكاء، فعادت أدراجها سريعا وفي اعتقادها ان السماء على وشك الإمطار. ولكن أثناء طيرانها بقمرتها أحست حركة غريبة في سماء مدينة السحر وأن خطبا ما قد حدث، فالقمرات تركض كالشهب، وكأن الجميع يتسابقون في العودة إلى منازلهم، همت بوضع البوصلة التداخلية ثم عدلت عن ذلك، حتى فوجئت بصوت إنذارات متتالية، وبصورة أمها الثلاثية الأبعاد بجانبها تناديها: أين أنت يا سالي؟.. عودي فورا.. وقبل أن تجيب كانت قد وصلت بقمرتها إلى حديقة البيت، فهرولت إلى داخله مرتعشة. 


-11-
   تتابعت في الجو إنذارات ضوئية وصوتية فجائية اضطربت على إثرها مدينة السحر، واختفت مصابيحها اللؤلؤية داخل حومات من الغبار.. ساد رعب مفاجئ، اعتقد الكثيرون ان الإظلام ناتج عن كسوف طبيعي للشمس وقليلون من أدركوا حقيقة انه ناتج عن طبقة غبار معتمة حجبت ضوء الشمس.
     أمرت الطوارئ الكوزموية أن يلزم جميع سكان المدينة بأسرها بيوتهم.. وان يقوموا بوضع أطواق وأحجبة أمنية على الأبواب والنوافذ. وأظهرت حرصا على طمأنتهم لعدم حدوث ما يسوء، وعدم وقوع أخطار جسيمة وان الأمور لا زالت في نطاقها السوي.. ولكن أحدا لم يصدق، فالاختناقات المريعة والمفاجئة والجماعية أثارت رعبا وهلعا في مدينة السحر، والموت يحملق عند كل مسار وليس من مفر...
     قلما يرى ماش فوق طرقاتها الأرضية، وها هي الآن تعج بالراكضين والمهرولين أملا في نجاة مأمونة العواقب.. والجميع يتساقطون، المئات يلفظون أنفاسهم كل شيء يترنح، يتهاوى.. يتفتت ماذا يحدث؟ ما الذي أصاب مدينتنا؟ إن ما حدث لم يكن زلزالا او طوفانا؟ خالط الجلبة جنون مشبوب سيطر انفعال وتوتر مرعش، رعب وانتظار، وتسللت إلى السكون انتفاضة غير محدودة، لتكبل بالفوضى والذعر .. فقدت المدينة سحرها الخلاب، فخيم ذهول الترقب على أنحائها، وذرت الجمال عاصفة هوجاء.
     بدأت الأخبار تترى عن  وفاة ثلاثة وسبعين ألفا من سكان المدينة بسبب الكربونات الرسوبية الخانقة، وقد نتجت بالأحرى عن تدافع الآلاف في الأحياء الفقيرة المكتظة، والانجراف البشري في المسارح، والمنتزهات الغنائية، ولا زالت الأرقام تتضاعف فساد ذعر وهلع، وتوقفت الحركة فوق مدينة السحر، فقد لزم سكان الكوزمو منازلهم.
      نشبت حرائق عديدة دون أسباب واضحة..وعلت ألسن النيران في الغابات والأحراش الكثيفة من الشطر الغربي  والشمالي الشرقي من مدينة السحر، ونقلت الأقمار الصناعية الموجات المدية للحرائق الناشبة التي لا يردعها شيء، توجهت آليات الإطفاء إلى نشر مواد تبيد الحرائق التي اشتعلت في أرجاء المدينة بأسرها.. ولكنها عجزت عن إخمادها أو الاقتراب منها إذ بلغت سرعة النيران 70 ميلا في الساعة  لقد اندلعت النيران في الشطر الغربي من مدينة السحر ثم ظهرت في المناطق الشمالية الغربية عند جبل ستون كنج ثم مرتفعات ماريبو وأوكلاند ، وأتت على جميع غابات الصنوبر والسرو والاوكالتيوس وقد بدأت النار المستعرة بالانتشار أفقيا ثم ارتفعت ألسنة اللهب البرتقالية في عنفوان وجسارة  إلى مائتي قدم وكانت في صعودها المتعاظم تتحدى الجاذبية الأرضية في ثوران دائم وقد سمع لها تغيظ وزفير، نقلت الأقمار ما يحدث عن كثب، وتساقط الآلاف من القتلى،والتفت في سرعة مجنونة حول مئات المنازل، ويبدو ان جهود رجال الاطفاء وأن الرغوات المطفئة والمواد المبيدة لم تكن مجدية مع كوارث كتلك من الصعب مواجهتها او المكوث بجانبها، بل عجز علماء البيئة في الكوزمو عن إيجاد شكل من أشكال الدفاع ..
         شظايا النار تنتقل من واد إلى آخر ومن تل إلى تلال أخرى، وقد أتت في ساعات قليلة على ما يقارب من ثلاثة آلاف منزل، وطال التصدع كل بنيان رصاصي أو أسمنتي فوق تلك الجبال النائية.   ويركض سكان تلك المناطق المشتعلة هربا من جمرات اللهب ومن السخونة الحارقة لكنهم كانوا يشتعلون متحولين إلى رماد في ثوان معدودة، ولم تجد استغاثاتهم او صرخاتهم شيئا، وقد جاهد رجال الإطفاء لإلقاء خيمات واقية للسكان الهاربين من الجحيم، ليتدثروا بها وسط النار المتأججة ولكن ألسنة اللهب المتفجرة خرجت عن نطاق السيطرة ،سحابات الدخان تعلو وترتفع لتشكل غطاء مظلما. كانت خسائر الكوزمو فادحة ولم تقدر بثمن. راح الملايين في كل مكان يتضرعون إلى الله سائلين اياه الصفح والعفو. وقد كادت انفبضت قلوبهم  لهول ما يحدث، ولضخامة الخطب الذي حل بمدينتهم.
    تفاقمت الكارثة ولا زالت سحب الغبار الثقيل تتكاثف داخل الغلاف الأرضي وقد أخذ النظام البيئي في الاختلال، كل شيء ينهار والحرائق الناشبة تجتاح المنازل الآمنة من كل صوب و تطيح بكل ما يعوق طريقها محدثة دويا ترتاع له النفوس. ثم نجمت كارثة بيئية أخرى فمنسوب مياه البحار ارتفع عشرات السنتيمترات مما أدى إلى إغراق مساحات شاسعة.
      تحصن الجميع داخل بيوتهم متدثرين بالأقنعة والملابس الواقية.. بدأت الأقاويل تسري فمن قائل ان تجارب أيونية أدت إلى هبوب العواصف التي ساعدت على نشوب الحرائق، ومن قائل أن نيزك ضخم اصطدم بكوكب مدينة السحر، ومن قائل ان علماء الفضاء الكوزمويين اخرجوا الكوكب عن مداره فاختل كل شيء فيه.. ومن قائل ان عدوا مجهولا قام بتفجير رؤوس نووية داخل مدار الأرض.. ولكن الخوف يقتل حرية العقل ويئد تجليات الرؤى والأفكار.. ولم يعد من هدف سوى الحفاظ على الأبنية الروحية والجسدية في مدينة السحر ولا وقت للتساؤلات.. او للإجابة عليها، كل لاه في مقاومة مصير غامض وغبار خانق.. ورسوبيات مدمرة.. وحرائق جسيمة ناشبة في الغابات والحقول المترامية .
    آيات التناسق والإبداع والروعة تلاشت تحت وطأة الغبار، والموت المريع يترصد بالأبواب، والمصير المقبل يحمل في طياته الفزع ، فانتفض الكرى عن العيون الناعسة، وألمت الهواجس بالأحداق،واستبدل الخوف باطمئنان راسخ وتغير المناخ  انتشرت في غلاف الكوزمو ملوثات جرثومية وواجهت طبقة الأوزون استنزافا ضخما.. الساعات تمر والكارثة تتفاقم.
     تحذر جمعية العلوم البيئية من عدم ارتداء الأقنعة الواقية او الخروج إلى الأجواء الملوثة، دون أخذ الاحتياطات اللازمة، ، اللهم  إلا فرق الإنقاذ التي انطلقت لتأدية وظائفها في جميع أحياء مدينة السحر، يا لها من حشود غفيرة.. وقد ارتدوا جميعا أردية واقية وكمامات أكسوجينية شديدة المناعة. لقد قام مئات المتطوعين بتقديم أنفسهم للمساعدة في انتشال الجثث، وإنقاذ من بقي منهم على قيد الحياة.
      لم يترك الناس في حيرتهم طويلا فبعد ست وخمسين ساعة من الرعب والهلع وبعد أن ساد قدر من الهدوء النسبي ظهر المفوض الرسمي باسم الحكومة الفضائية ليعلن في تردد وأسى شديد أن  قوى شريرة مارست لعبة البلياردو في الفضاء وقامت بإحداث انفجار نووي لكويكب سيار يطلق عليه " سيرانو " قطره 2 كيلو مترا ونتج عن ذلك تغير مداره نتيجة للرؤوس النووية ودخوله في المدار الارضي وقرب اصطدامه بكوكبنا،لقد نجحنا في تفتيته فانسحق الكوكب السيار بالكامل ولكنه شكل طبقة غبار مرتفعة ومعتمة تحجب ضوء الشمس وأدت سحابة ترابية في طبقة الستراتوسفير إلى إظلام السماء.

     تعلن اللجان الفضائية: نحن نناشدكم الهدوء والتحلي برباطة الجأش وقوة الشكيمة.. لقد وجدنا أن إخراجه من مداره الحالي وإيقافه عن الاصطدام بكوكبنا تعادل في ضررها التصادم معه فعليا، ولم يكن بد من مواجهته وسحقه.
      اهتزت الحضارة المهولة تحت ركام من الغبار البلاتيني أدت الكربونات الرسوبية المدمرة إلى اختناق الحياة النباتية محولة إياها إلى هشيم في جميع أنحاء الكوكب. 
     بدأت الحقائق تتكشف تدريجيا رغم محاولة إخفائها، ان محاولة تحريك كويكب سيار معدني بالحزام الرئيسي إلى مدار حول كوكب الأرض وذلك عن طريق الاحتراق النووي للهيدروجين بهدف السيطرة عليه بغية الوصول إلى معادن ثمينة يحملها خاصة مادة البلاتينيوم والتي تقدر بالعديد من تريليونات الدولارات والعديد من الفلزات باهظة الثمن أدى إلى حدوث كارثة فضائية. 
   امتد جبروتهم إلى الكواكب والسيطرة عليها، ولم يكن في حسبانهم ان ذلك الكوكب سيفلت من قبضتهم او أن لديه القدرة على الجنوح والخروج عن المسار الذي وضعوه له لم يجل في خاطرهم ان شيئا بإمكانه العصيان ولم يثنهم هيجانه وتمرده عن السيطرة عليه بل زادهم عنادا وصلفا، لكن سيرانو أفلت كثور هائج وراح يتخبط في أكثر من اتجاه مما اضطرهم إلى منع تصادمه بكوكب الأرض باستخدام الرؤوس النووية ليتفجر سيرانو داخل مدار الكوكب الأرضي  فيهتز كل شيء، وتترنح الحضارة تحت ركام من الغبار الأسود، وانتثرت في الفضاء معادنه النفيسة،لتحلق حول مجرات أخرى.
     آه يا مدينتي القديمة. كم تغنيت بالدفء والهناء بين جنباتك الفياضة بالحب!.. كم شارفت فيك حدود السماء غبطة ومرحا!.. كم جلست فوق شطآنك السماوية ارتشف من درها الأزرق مدادا لقلبي وعقلي،  واحتسى من مواردك العذبة ما تستلذه النفس!.. يا ل أمني الذي لم أقدسه من قبل..وسكينتي التي كانت شمسا اعتدت احتضانها لي في الصباح وعند الغروب..نبضا لم أعِ قيمة وجوده إلا بعد توقفه!.  
       لم تتوقف الكوارث التي داهمت الكوزمو عند ذلك الحد، فقد حلت بهم كوارث طويلة الأمد جعلت من كل ما سبق أمر هينا، اذ أعلن علماء الميكروبيولوجي في مختلف منافذ المعلوماتية.. وعبر الأقمار الصناعية والأغلفة التداخلية الذاتية والموجات التحدثية  ظهور إصابات بمرض غامض  يسمى " التبلد الحسي " وهو مرض ناجم عن الجرثومة السيرانوية،  أصيب به العشرات مؤديا إلى وفاتهم. وبدأت أعراضه في الظهور على ما يقارب مائتي فرد آخرين.
          إن الكارثة الحقيقية التي تواجهنا الآن هي  ظهور نوع من الجراثيم الغريبة يمتلك القدرة على امتصاص الإحساس البشري وإذابته، ولم يتم التوصل حتى الآن إلى المصير الذي يؤول إليه فعلها والهدف الناجم وراء ذلك.. وليس من الواضح ان كانت كائنات فضائية دقيقة او غير مرئية أو جراثيم من النوع الوحشي وقد عجزنا عن إيجاد حلول لها فهي جرثومة شديدة التلون بحيث يستحيل القضاء عليها وباستطاعتها الظهور بما يعادل ثلاثة ملايين شيفرة مختلفة ومؤثراتها متنوعة ومتعددة وفق سبل اقتحامها للجسد البشري. إنهم يعجزون عن إعطاء مضادات حيوية لتلك الجراثيم الدقيقة لتلونها وتغيرها مليارات المرات.
      نجم عن زيادة الجراثيم الفضائية في الطبيعة والنباتات والكائنات البحرية.. وقد أدت إلى حدوث إصابات حادة انتهت بوفاة واحد وستين شخصا خلال الساعات الخمس الأخيرة ،تبدأ أعراض الإصابة بالمرض بإنهاك القوى وضعف الشهية وفقدان الوزن، والإغماء المتقطع والصداع الدائم، والأرق الشديد، ثم تتوقف حواس الإنسان عن القيام بوظائفها الحيوية بصورة نهائية، وخلال ثمانية ساعات ينتهي بتشوه الخلايا الحسية للمصاب ثم تآكله تدريجيا.
    ترتفع صرخات الخوف الأليمة وتصب اللعنات على "تكنولوجيا الفضاء  " الطعام سم قاتل.. الهواء حامل للسم القاتل.. هواجس وظنون، انزواء وجثوم،  الكوزمو فقدت سحرها الخلاب..  دقائق الحياة أضحت ملوثة بكرب وضنك، وتتناثر الوحشية بين لحظات الغضب الهادرة.. وينداح في الأفق المنذر ذهول واكفهرار..
        أبانت النتائج الأخيرة لمائة وخمسين جهاز بيولوجي موزعة على مختلف أنحاء الكوزمو أن " الجرثومة الفضائية " قد استقرت في طعام الإنسان النباتي والحيواني والبحري،.  وأن النباتات الحية واجهت مشكلة في استمرار بقائها عن طريق عملية التمثيل الضوئي امتلأ الجو بالكربونات الرسوبية الخانقة. حيث كشف " الكوزمولوجي " في مدينة السحر ان نواتج التربة الوليدة مثل الكربون والكالسيوم والرادونو والثورون كانت تشكل مناعة طبيعية للإنسان ضد تركيزات الجراثيم الفضائية في الطبيعة والتي توجد بنسبة محدودة هي ميكروجرام لكل متر مكعب  ، وأنها كانت ذات أثر فعال في الحفاظ على طاقته الحيوية ونمائه الفكري والعقلي خاصة أنها لا تتجاوز 40 مللي ريم في السنة وهو القدر الذي يحتاجه الإنسان لبلوغ الكمال الأدائي والانفعالي، والمقدرة على مواجهة كافة المركبات الجرثومية الخطرة.  وقد أدى تراجع مساحات الأراضي المزروعة وتغطية السطح الترابي بمواد عازلة إلى فقدان المقاومة الأرضية ، وأن هذه النسب المرتفعة من الجراثيم السيرانوية ليس في مقدور الإنسان حاليا التغلب عليها.

      أجروا اختبارات عديدة ولكن مقدرته على الاختراق الهوائي تصيبهم بالعجز والحيرة وتصدر إدارة الخدمات البيئية تقارير عن أنواع الأطعمة التي لم يصل إليها التلوث السيرانوي وهي الأرز والبقوليات ومن الفاكهة التمر والتين والليمون كما ثبت ان الجرثومة لم تستطع الاستقرار في شراب العسل.
   وكررت تحذيراتها من تناول الأطعمة الملوثة وغير الصحية وتلك التي من المحتمل تعرضها للإصابة، ثم أمرت بمصادرة أسواق الغذاء، كما طالبت تجار السوق الغذائي بالتوقف عن ممارسة أعمالهم وتعهدت بدفع تعويضات لهم في المستقبل.


-12-
     حين دخلت كان سمير ونوال يتابعان الشاشة الرقمية في إصغاء وتركيز..وقد خلت أجواء البيت من تلك الرائحة البغيضة التي صادفتها في الخارج، جلست سالي إلى جوارهما مندهشة مما يحدث، تحتل الشاشة الرقمية مساحة عريضة من الحائط  وعلى جانبها الأيسر جهاز التحكم و التداخل المكاني الذي ينقل المشاهدين الراغبين في المشاركة وإبداء الرأي.
      قام سمير بإحكام وصد أبواب البيت ونوافذه ووضع سدادات هوائية لمنع دخول ذرات الغبار من الخارج ثم أمر الروبوت المنزلي بعدم فتح أي من الأبواب والنوافذ المحكمة،وبعدم السماح بحدوث أي تسريب هوائي، ثم عاد إلى مجلسه بين سالي ونوال ليتابع ما يحدث.
     تواترت الأحداث وسط دياجير الرعب والحيطة والتوجس، والمناقشات عبر الأقمار الصناعية لا تهدأ، وإدارة خدمات الفضاء حريصة على إلغاء إرسالها الداخلي والخارجي وتوجيه التحذيرات والإرشادات بصورة متتابعة. يرتفع عدد الضحايا، انقطعت الحركة وابتلع الصمت صخب المدينة ،يلوذ الناس ببيوتهم، أصيبت الكوزمو بانهيار اقتصادي حاد، الأسهم، العملات في انخفاض مروع والجراثيم الفضائية شبح يهيمن بانطلاقه المقبض في جنبات مدينة السحر.
يخاطب شاب إدارة الخدمات الكوكبية قائلا في استنكار: كيف تعجزون عن منع الكارثة قبل حدوثها، عن كبح جماح الطمع والجشع، اننا نقترب من حافة الجنون والانهيار، ان مدينتنا تحتضر وأنتم صامتون؟
وقال آخر: قررت الاستغناء عن الطعام بكل أنواعه الصحي وغير الصحي، واكتفي بالأدوية الغذائية المصنعة ولكني اشعر بالضعف والجوع. 
شكوى ونحيب وصراخ اقض المضاجع تخاذل أيقظ الأبدان الغافلة، جحوظ  دائم نحو حشرجة الأرواح المسمومة، وحملقة الجرثومة السيرانوية في الوجوه المشوهة.



ـ 13 ـ
      غادر نعيم المركز في تمام الرابعة مساء، متأففا، ضائقا صدره، هرج ومرج، قرارات وبيانات وأرقام وفحوصات وتجارب واجتماعات ومناقشات واستشارات وآراء ومعارضة للآراء.. نمت ملامحه عن لا مبالاة ساخطة، وعن ضيق بالقناع الواقي الذي تحتم عليه ارتداؤه. أخبره زملاء العمل أن سكان مدينة السحر سوف يتظاهرون ضوئيا خلال الساعات القادمة أمام وكالة الكواكب السيارة، ولكنه لم يأبه كثيرا بما يحدث وعاد إلى بيته حانقا.  
         من بيوتهم وعبر أغلفة التداخل المكاني انضم الملايين من سكان مدينة السحر في تظاهرة احتجاجية ضوئية أمام مبنى جمعية الكواكب المختبراتية، وقد اصطفوا صفوفا متساوية، عن بعد تظنها أشباحا واقفة في صمت وخشوع، وكلما اقتربت شعرت بهرج ومرج غير ملموس وتحركات مكانية بطيئة، تمد يدك فلا تلمس أجسادهم ولكن لغطهم يصم الآذان وغضبهم المزمجر مخيف، وقد حملوا لوحات تندد بسياسة مختبر الدفع النفثي ووكالة الكواكب السيارة التي كانت سببا في الكارثة الفضائية، بدأ أزيز الجماهير الغفيرة المزمجر يعلو مطالبة بالقصاص من الجناة واعتبارهم مجرمي حرب الفضاء.
      جمعت ساحة المبنى وجوها مختلفة ، أجيالا شابة صغيرة، ورجالا ونساء وشيوخ  غلب عليها جميعا الجمود والحنق، ومع كل ثانية ينضم إلى الواقفين أفواج جديدة حتى اكتظت الساحة التي تمتد إلى سبعة أميال بأعداد هائلة، والجميع في بيوتهم ولكنهم توحدوا حول موقف ثابت، والتفوا كالريح العاصف . وقد وقفوا دقائق حداد على المفقودين الذي صعدت أرواحهم إلى السماء. 
     ثم جاء صوت المفوض الرسمي لشؤون الفضاء قويا راسخا، وقد ارتطمت حواشيه العريضة بأرجاء المكان الضوئي، وكان رجعه اشد صلابة وعنفا وهو يقول:
 يا أبناء الكوزمو الأعزاء:
نحن نشاطركم الألم والحزن،  ونعرب عن تعازينا الحارة لكل من فقد أحدا من ذويه ونأسف لكل فقيد راح ضحية تلك الكارثة التي حلت بمدينتنا، ونصلي من أجلهم جميعا، ونسأل الله أن يسكنهم جنتة السماوية، ونأمل في التزامكم الإجراءات الوقائية حفاظا على سلامتكم.
   ونود طمأنتكم بأن المفوضية العليا لشؤون الفضاء اتخذت قرارها بالقصاص من المجرمين الذين دفعهم الجشع إلى تدمير جنتنا الأرضية،  وقد سارت العدالة في مجراها وتم القصاص فعليا ممن خططوا ودبروا ذلك الأمر، أما من تبقى من أعوانهم ففي طريقهم إلى محاكمة عادلة.. 
     وقد حان الوقت لكشف الحقائق أمام أبناء الكوزمو، فالكارثة التي حاقت بنا أدت خروج محدود عن المدار نتج عنه مبدئيا قرب حدوث ابتلاع لكوكب الأرض من قبل النجم الشمسي، واقتراب من درجة الغليان كما نتوقع حدوث تصادما وشيك مع كوكب آخر اذ خرج عن مداره ليصطدم بكوكب الأرض من الأرجح ألا يصطدم بالأرض ولكنه قد يصطدم وقد تسود في جميع أنحاء العالم النيزك الزاحف يدنو كسلحفاة ماكرة، مرسلا غيض من أحماضه الكاوية القادرة على وإحداث تآكل مرصود يفضي إلى الموت المخيف.
      لم يعد بإمكاننا العيش أو التجوال أو ركوب النفاثات أو القيام بأنشطتنا الحيوية كالمعتاد، فاحتراق كل شيء بات وشيكا ، ولابد من تعديل النظام الشمسي وتحريك الأقمار والكواكب، وحتى يتم تعديل مدار الأرض إلى موقع آخر ويتسنى إعادة الحياة عليها ويتطلب ذلك وجود شهاب أو نيزك كبير بحجم لا يقل عن مئة كيلومتر بين طرفيه يحلق بسرعته الشديدة قريبا من الارض لإعطائها جزءا من طاقته المدارية.
     وحرصا على أمن شعوب الكوزمو نأمل في قبولكم جميعا الانتقال إلى كواكب أخرى أكثر أمنا، وقد جهزت بجميع ما يحتاجه الإنسان إذ عكف العلماء والباحثون على تأهيلها للحياة البشرية منذ ألف عام تقريبا، ولكل كوكب مزايا خاصة به، وباستطاعتكم التجوال بينها دونما قلق أو خوف فهي مريحة في كافة الأحوال، وستكون تكاليف الهجرة الفضائية بأسعار مختلفة وفق الاستعدادات الكوكبية  والعملة الجديدة هي الدوريم.
     لقد جاء الوقت الملائم لنستعمر الفضاء، ونهيمن على أجوائه الرحيبة، ونحن نذكر بالعرفان والولاء أسلافنا الذين كانوا أول من بدأ الرحلة بصورة تجريببة نحو بحر الفضاء في القرن العشرين المنصرم ، انه من المحتم أن نغادر إلى كوكب قد يكفل نوعنا للأبد.
    ثار لغط وسادت الفوضى وحل خذلان ونكوص،  وكلمات مجهضة،  ونظرات لا تتوق لشيء، جلس الكثيرون في تخاذل وقد وضعوا رءوسهم بين أيديهم، أصابهم رعب قاتل وحيرة واجمة،  كوكب الأرض الذي احتضننا ملايين القرون، وأغدق علينا أمنه وسكينته نتخلى عنه، نرحل إلى مكان لا يتنفس هواءه النقي، لا نطأ فيها ذرات ترابه التي خلقنا منها؟ كيف؟ كيف يتسنى لنا أن نحيا؟ من أين تأتي مقدرة على الانفصال عنه والالتحام بعالم لا يمت لأجسادنا بصلة، ولا ننتمي إلى أشيائه الأولى؟
     لوثها الطغيان البشري، ونفذت في دروبها سموم الشياطين الآبقة، وأرهب هواءها دوي الجراثيم المدمرة وأفيون الجحيم المشتعل.. ودخان الهدر الآدمي غير المرئي المجرمون دفعوها إلى التخلي عنا، إلى أن نهجرها، نقبوا في جوفها عن أزيز الشر 00 وزفراته المدمية وتقيحاته العفنة.. وقدموا له بكارتها وخصوبتها قربانا  في جوف هاوية بعيدة المدى.. ولم يتركوا لنا بعضا من بقايا براءتها وجمالها.. دمروا كيانها البديع.. الذي عكفنا على صقله وبنائه قرونا طويلة ومنحناه من قدراتنا وطاقاتنا الكثير.. في لحظة من الزمن يتهاوى ما صنعته أيدينا من حضارة ومجد متألق.. يتلاشى إبداع عقول سالفة، تتوقف أجيالنا عن النمو فوق سطح الكوكب الذي أحببنا وعشقنا؟ يا للهلع المحيق بنا !! كيف نحتمل؟
      ان مدينة السحر التي اعتقد بنو البشر لمليارات السنين أنها أصل الكون وهدفه لم تكن سوى نقطة معتمة تائهة في محيط فضائي لا متناهي، إن حضارتهم تؤول إلى زوال مثلما آلت حضارات سابقة فاكتشفوا ضآلتهم وأنهم ليسوا شيئا يذكر في خضم ذلك المحيط الكوني المتلاطم.



ـ14ـ

انتابت سالي نوبة سعال خفيف مما استرعى انتباه نوال فسألتها في لهفة:
ـ ماذا بك صغيرتي؟
بدت منهكة تشعر بخور وعجز شديدين ثم قالت وهي تتناول منديلا:
ـ يبدو اني أصبت بفيروس الأنفلونزا بسبب ذهابي إلى البحر
ـ هل أستدعي لك الطبيب المعالج؟
ـ لا، لا داعي لذلك سأكون بخير..
جلسا في غرفتها إلى أن نامت، ثم تركاها في هدوء وعادا إلى متابعة مستجدات شاشة الكوزمو الضوئية.
في الصباح أحست " نوال " بحركة مفاجئة، صوت ارتطام او سقوط شيء، قامت من فورها متجهة إلى غرفة " سالي "  لم تجدها في فراشها، حانت منها التفاته صوب الحمام فإذا بابنتها مغشي عليها.
     هرعت  في جزع إلى استدعاء الطبيب، الذي اتخذ خلال ثوان قليلة حيزا مكانيا ضوئيا داخل الغرفة ، واتجه نحو  سالي لفحصها مستعينا في ذلك بالروبوت النقلي حيث يمكنه قياس الأشياء والتعامل معها، قام بإجراء مختلف الخطوات الروتينية لفحص النبض، والتنفس، ودرجة الحرارة وتدفق الدم، وظهور فيروسات جديدة تهدد جيناتها الوراثية 
ـ بم تشعرين الآن يا سالي؟ 
لاح في وجهها ووجوم  ثم قالت: أشعر بإرهاق شديد وصداع مؤلم   
دقق طويلا في كل ما قامت به خلال الساعات الأخيرة ثم سألها قائلا: كيف ترين الحياة الآن؟
قالت في إعياء: أراها مظلمة، كئيبة، منفرة .
 تأملها الطبيب مليا وقد ظهر في عينيها جمود بصري وكأنما تستسلم لموت وشيك وبدت مسترخية متهالكة الإرادة  ثم طلب من والديها تركها بمفردها لتنال قسطا من الراحة وانتقل معهما إلى الطابق الأرضي.
ثم قال في تردد: يلوح من خلال شاشة الروبوت المعالج ظهور فيروس لا تعرف هويته وأخشى أن يكون أحد تغيرات جرثومة التبلد الحسي.
بغت نوال وسمير بالأمر فسأل سمير في حزن: هل هذه النتيجة نهائية؟


فقال الطبيب: لا ليست نهائية واعتقد أنه إذا كانت الإصابة حقيقية فان الوفاة ستحدث خلال ساعات قليلة. 
 فبهتت نوال وراحت تنشج نشيجا متقطعا وانتابتها هستيريا عنيفة وصاحت في صوت متهدج : وفاة، ما أقسى هذه الكلمة، سالي الرقيقة الوديعة، ثم أطبقت يديها على فمها قائلة: 
لا، لا اصدق، ألا يمكنك إعادة الفحوصات مرة أخرى؟، أرجوك!
فاحتضنها سمير وقد تغضنت أساريره بالألم  قائلا: اهدئي عزيزتي
فقال الطبيب: سيدتي، لا يمكن الجزم، والمحك الآن هو مراقبة المريضة عن كثب لكني أنصحكم بعدم استعمال أدواتها وان ترتديا ملابس معقمة.
قالت في استياء: أهذا كل ما يهمك؟
منطلقنا تقليل عدد الحالات المصابة قدر الإمكان
فردد سمير في تكلف: شكرا لك على أية حال. 
مكثا بجوارها في انتظار مصير مجحف يزحف نحو عودهما الريان وبسمة حياتهما المورقة، وقد احتدمت قسماتهما بشحوب وذهول، وأقفرت حياتهما من البهجة
مالت نوال نحوها وهي تغالب دموعا قاهرة ويأسا عاصفا، ثم دنت بأناملها من جبينها وأخذت تدثرها بغطائها الوردي المشرق  ففتحت سالي عينيها، تظاهرت نوال بالابتسام ومسحت بيدها فوق شعرها الكستنائي قائلة: لم لا تنامين حبيبتي؟
قالت في إعياء: لا أستطيع النوم، اشعر بصداع شديد .
دخل سمير الغرفة فانسلت نوال إلى خارجها، استندت إلى الجدار مجهشة في البكاء، وهي تلهج بدعاء حار: لا تحرمني منها يا الهي.
اصطحبها سمير إلى غرفة المعيشة محاولا تهدئتها، فجلست في تراخ.
قال بإشفاق: نحن لا نملك إلا أن نخلص لله الدعاء، فإذا كتب لها القدر البقاء فستبقى، أليس كذلك؟ 
فغمغمت وهي تنظر نحو السماء راجية: يارب


ـ15ـ
      أراد سمير أن يصرفها عن تلك اللحظات المأساوية، فقام بتشغيل الشاشة الضوئية، فورد حوار بين امرأة تخطت سن الشباب وبين أحد مذيعي البرنامج،وهي تقول في نبرات حزينة : 
ـ أنا لا اريد أن أغادر مدينتي لا ارغب في الرحيل عن موطني، ثم قالت في أسى: إني جزء منه، أتفهم ذلك؟
ـ نعم أفهمك سيدتي.. ولكن التجربة المقبلة لا تحتمل مزيدا من العواطف.
ـ أتهزأ من مشاعري؟
ـ إطلاقا.. سيدتي.. أردت فقط أن أخبرك أن المرحلة القادمة قد لا تحتمل بقاء أي إنسان فوق سطح مدينة السحر، سيدتي إن الكوزمو بأسرها تحتضر.. ولا جدوى من البقاء نحن نسعى إلى تأكيد بقائنا جميعا، وبإمكانك اختيار المكان الفضائي الذي ترغبين، فثمة كواكب عديدة مأهولة بأناس خاضوا التجربة منذ عقدين من الزمن فأسعدتهم روح المغامرة واستمتعوا كثيرا بالهجرة والبقاء هناك.
ـ قالت كأنما لم تسمع شيئا مما قال: إني أفضل الموت هنا، وآمل ألا أحرم البعث من أجداث جدودي وقبورهم.
      ثم شارك كهل في الخمسين عبر التداخل المكاني قائلا في ألم:  أريد ان أبقى، ولو نائما فوق طرقاتها.. بين ثراها.. أن أتشرد في جنباتها.. إني جزء منها.. سأقبل أي شيء وان يكن الموت.. وردد آخر: نحن ننفق من فرط الجزع. وقالت فتاة في مقتبل العمر: إن فشلنا فوق كوكبنا خطوة نحو فشل أكبر فوق كواكب أخرى. كيف نصنع هناك ما عجزنا عن صده هنا؟ 
غادر سمير المكان هنيهة ثم عاد هامسا:
ـ إنها لازالت بخير لقد تابعت أنفاسها عن قرب.
أسر تبكي ضحاياها وقد عرضت بقاياها المشوهة.. آه أيتها المرارة.. آه أيها الصقيع إن شيئا يمتص دمائي ويمضغ رأسي.. وينهش عظامي  ويرتشف المتبقي من نخاعي وإني لمرتاعة فزعة، متوسلة هلعة، الجنون أقرب من الرشد،وانفلات العقل أهون من صموده، والسقوط أخف ألما من الصعود مرة أخرى، والاختباء مصير الحشرات الضالة التائهة. أجل مصيرها.. ويلي من العذاب وقد قسم لي. ومن المغفرة وقد حرمتها. أين مني تلك الشواطئ الآمنة أين مني خضرة الشجر وارتعاش أغصانه وتدلل أوراقه ونسيمها حين كان يقبل الخد العذري.
       انتحبت نوال بشدة وارتعدت أطرافها، وبدت ذابلة خائرة القوى فأغلق سمير الشاشة الضوئية وجلس إلى جوارها محتضنا يدها في تحنان وصبر، وفوجئا بسالي واقفة عند باب الغرفة وقد اعتراها هزال وشحوب، أسرعت نوال بالنهوض اليها وضمتها إلى صدرها قائلة بصوت باك منفعل وهي تمسح وجنتيها:
ـ حبيبتي هل أنت بخير؟
وأومأت سالي بالإيجاب ثم جلست وقد لفها حزن غائض.
شد سمير على يد نوال في غبطة وانشراح، وراحا يعدان لها حساء الأرز.
أقبل الروبوت المنزلي متسائلا في دهشة: هل تأمران بشيء سيدي، سيدتي؟
فتضاحكا سويا وقالت له نوال: كلا، نشكرك ميلو.
ـ هل أفهم من ذلك أنه تم الاستغناء عن خدماتي؟
فأجاب سمير: لا، ولكننا أردنا تخفيف العبء عنك اليوم.
فمضي وهو يردد كلامهما: تخفيف العبء عني، ولكن لا يوجد عبء ثقيل . 
      في الصباح اطمئنا إلى أن سالي نائمة، جلسا متلفهين أمام احدي محطات الشاشة الضوئية لمعرفة المزيد من من الأنباء، وقد أخذت الشاشة تعرض لقطات للمدن الجديدة فوق كواكب مختلفة كي يطمئن سكان الكوزمو إلى اكتمال الهندسة الكوكبية لإنتاج البيئة المرغوبة.
        أخذت الشاشة الضوئية مشاهديها إلى كواكب سيارة مختلفة ،شكل لكل منها غلاف جوي كثيف حفظ بفعل جاذبية صناعية،، وتنتظم  العديد من المساكن المعدنية في صفوف متوازية، ويتم توليد الطاقة بواسطة حرق الكائنات العضوية وثمة آلاف الألواح الشمسية التي تغطي أسطح الكواكب لتحويل ضوء الشمس إلى كهرباء ويحتوي بعض منها على مستوطنات شفافة ذات قباب لحجب الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس،والخروج منها يتطلب ارتداء اقنعة الأكسجين والملابس الواقية، وثمة مدن مشيدة فعليا في باطن الكوكب السيار " انتران " ان الحياة بداخله ستكون من أروع ما يمكن حيث باستطاعة الإنسان التحليق او القفز لأميال عديدة كيفما شاء.
      ظهرت كويكبات محلية لا تتجاوز مساحة كل منها كيلومترين، وكانت أشبه بجزر محلقة في فضاء الكون الأزرق، ثم بدا جليا أن بيئاتها الصناعية والآلية قد جهزت خصيصا لأولئك الأثرياء من عائلات الكوزمو ولأفراد قلائل، لما تحمله من قصور فاخرة ومجتمعات عمرانية متكاملة، وضعت في مدارات محمية، تحلق فوقها أغلفة جوية أكسوجينية من ماء مقيد كيميائيا ، وقد غرس الهيليوم بفعل الرياح الشمسية فوق سطح  كل منها، الذي بإمكانه أن يوفر طاقة كافية لتسيير مدينة كاملة لمدة عامين.
     انتقلت الشاشة المكانية مع المتجولين بداخلها إلى مدينة المريخ التي بدت مجهزة لاستقبال الوفود البشرية بصورة باعثة على الانشراح، اذ اصطفت فوق سطحها هياكل متسعة مصنوعة من أقمشة هي أغشية نسيجية مشدودة مدعومة بصواري فولاذية وحبال سلكية، وقد نقشت عليها مزخرفات رمادية، ويشرح الدليل الفضائي مكونات الحياة الأولية حيث توجد وفرة من المياه في الصخور وتحت السطح وفي الجليد القطبي، وقد تم تصنيع الأكسجين منها وحدث التحام بينه وبين غلافه الجوي المشتمل على ثاني أكسيد الكربون، كما جرفنا المادة العضوية على القمر فوبوس إلى المريخ، وحرث السطح كله وعولج لعمق يصل إلى كيلومترات عدة، وصنعت الغازات من المعادن المحتوية على الفلور، وللوصول بدرجة الحرارة المريخية إلى حد معتدل قمنا بتصنيع الكلوروفلوروكربونات ونقلها  إلى سطح ذلك الكوكب،وغلف سطحه بطبقة غلاف جوي ناتجة عن الحطام الناجم عن الكويكبات السيارة المسحوقة للحماية من أشعة الشمس فوق البنفسجية ولتشكيل طبقة الأوزون.
       نقلنا فعليا بعض السلع من كوكبنا الأرضي وقام مستكشفون ومغامرون بخوض التجربة وثبت نجاحها، وشرع عمال مخلصون في زراعة سلع مماثلة فوق المريخ أجريت لها فحوصات مختبرية ومعملية حتى تأكد لنا صلاحيتها للاستخدام البشري واحتوائها على نفس القيمة الغذائية .
       تنتشر المراكز الصحية  فوق أسطح جميع الكويكبات المأهولة للمهاجرين لإحداث قدر من التوافق مع البيئات الجديدة، وانه لأمر طبيعي إن يتعرض الجسد البشري كنتاج للتغيرات الجذرية إلى حالة من فقدان التوازن الفطري قد تطول او تقصر وفق المقدرات الذهنية لكل فرد.
    ان نفقات السفر والسكنى فوق كوكب المريخ تعد باهظة الثمن لأنه من افضل الكواكب المجهزة لراحة الإنسان، كما ستحصلون انتم وأبناؤكم على تدريب تخصصي في التكنولوجيا الأساسية للحياة فوق ذلك الكوكب، للحصول على الثقافة المريخية المتفردة والتي لا توجد في أي من الكواكب الأخرى.

      القمر تيتان يمتلك غلافا جويا يتكون من النيتروجين وهو مشابه للغلاف الجوي لكوكب الأرض كما ان ضغطه يقترب من الضغط الجوي وعن طريق الاندماج النووي قمنا برفع درجة حرارة سطحه من خلال إنتاج واسع للأكسجين بواسطة النباتات المهندسة وراثيا، والى تعديل بيئة السطح على شكل ملائم كما قمنا بترسيخ الميكروبات والنباتات والحيوانات الأكبر على سطح تيتان بعد أن قمنا بالتغلب على جاذبية المشترى، وباستخدام تفاعلات البروتون – البروتون أمكننا توليد كميات غير محدودة من الطاقة والاحتفاظ بها لملايين السنين لتصبح البيئة صالحة للمستوطنين البشر في إطار المدى الزمني المسموح. 

 
                                                    (16)

   ضاقت سالي باكفهرار الحياة من حولها، وتحذيرات سمير ونوال وتوجيهاتهما الدائبة،
هتفت في نبرة ملولة:
ـ وبعد
تساءلت نوال في لهفة:
ـ ماذا بك حبيبتي؟
ـ أكاد أختنق
حدجها سمير بنظرة موحية ثم سألها:
ـ لم لا تجلسين معنا لتتابعي آخر الأخبار؟
قالت بنفاد صبر:
ـ مللت هذه الأحداث، توجيهات وإرشادات وحوادث ودمار وموت، ضقت بكل ذلك، ان ما نحن فيه لا يطاق.
فقال في هدوء مؤثر:
ـ فلنتحل بالصبر عزيزتي
     عادت إلى غرفتها، قطع الأثاث تثير مكامن الغضب، الروبوت المتجول في أنحاء البيت منفر، باعث على الملل، الشقاء أحبولة معقودة، ذبذبات النفس المستعصية على الفهم  أضحت هلامات مرئية.. ويحمل الفراغ في مداراته أنشودة حنين.
    لم تجد بدا من التعرف إلى نادر، والجلوس معه ساعات طويلة عبر الموجات التداخلية، تمن الحياة بمذاق جديد وللسعادة ملمس حريري يستحيل خشونة ممجوجة حين تلسعه نيران اللهفة، يتسربل ذهنها بغشاوة موحشة حائرة، ويشغلها عنه جفاء وإذعان ، ولكن لابد من إزداوجية يحياها الإنسان كي لا نفقد المعنى، دارت نقاشاتهما حول أمور مختلفة..
     " نادر"  أسمر، رشيق، طلق الأسارير ، متدفق المشاعر، البحث عن مأوى وسط زوابع الشتاء الممطرة، وهجرة الندى لأوراق الورد عند الضحى.. آنست إليه وأعجبت بذكائه وصلابة ذهنه ولكنها تفتقد شيئا معه، لا تدري كنهه، وأحلامها يزحف نحوها ركود وبلادة وسط ضوضاء الذعر المتفشية ، كيف نتفادى العدم؟
حدثها نادر عن الرحيل إلى كوكب آخر معتبرا الفكرة ضربا من الجنون، رافضا إياها بشدة واسترسل في حديثه قائلا:
 ـ يقولون الأرض تلفظنا.. يا له من قول مأفون.. إننا لم نعرف يوما أحن منها ولا أدفأ ولا أروع من نسماتها حين تهب على وجوهنا الرطبة فتعانقها في حب.. وأمواج محيطاتها حين تحملنا كأم تحمل أطفالها في قوة وتحنان.. وغلافها الجوي الذي حقق أحلامنا المفارقة لماديتنا  فحمل أجسادنا ورؤانا وجاب بها ملكوتها الممتد في ثوان مغمضة من عمر الزمن.. أننسى كل ذلك.. أني أن ننسى؟ 
     بيد أن التقلبات الجارية لم تستغرق حيزا من فكرها، لشد ما انبهرت بصلابته وقوة بأسه ولكنها بدأت ترتاب في مزاعمه حين لمست بواعث ضيقه وامتعاضه. 
ـ  يجثم فوق كاهلي اغتراب ثقيل، اغتراب محلق في الفضاء لم يقر له قرار منذ قذف في مجاله اللامستقر.. متى أنعم بالهدوء والسكينة متى أنام مسدل الجفنين؟ فتتخايل لي أحلام هائمة، وتنتشي  جنبات عقلي باطمئنان وثبات.. متى يطمئن جسدي وأسعد بكوني موجودا؟
     أيقظتها نداءات نعيم بعد منتصف الليل، ولكنها لم تأبه، فعاد يطرق غلافها مرات متتالية..أرادت أن تتجاهله ولكنها أعرضت عن الهروب من لقائه، فظهر مجسمه المرئي داخل غرفتها، بدا في حالة رثة مثيرة للإشفاق: 
ـ فقدت عائلتي عدت إلى البيت فلم أجد سوى جثثا مشوهة، كأن شيئا احرقها ولكن دون دخان ودون نيران لا ادر كيف حدث ذلك ومتى.. ثم قال بعد برهة بكاء صامت: توفوا جميعا. 
فقالت في نبرة تهكمية: وهل يختلف ذلك معك؟
نظر إليها متألما وهو يقول: سالي، لست جمادا إني بشر
ـ الآن فقط تدرك انك بشر.. الجماد يمتلئ شعورا أنت فارغ منه
ـ لقد أخطأت حين أعطيته شعوري .. آه كرهت ذلك.. كرهت كل شيء.. كرهت تلك الخلايا التي احملها.. كياني الممزق.. اني أشلاء وبحاجة إلى من يلملم وجودي.. يعيدني إلى نفسي.. إلى كينونتي.. إلى حقيقتي.
ألقت نحوه نظرة عابرة ثم قالت:
ـ لقد ضللت المسار. 
ـ لا تكوني قاسية أتوسل إليك أرجوك بكل ما كان بيننا من لحظات صدق ذات يوم
سرت في بدنها الصغير رجفة تعاطف ونزوع نحو الإغضاء عن حماقاته وجريمته، ولكنها أظهرت تماسكا وأبدت جفاء ليس من طبيعتها.
فأمعن النظر في عينيها مستجديا شفقتها ثم اختفى حانيا رأسه.


-17-
        انتثار كيان هلامي مفارق لعنفوان الديمومة وجسارة الرحيل، الكيان القابع في مستقر ومستودع يوشك أن يتلاشى في فضاء الكون، أن يعبر حدود الزمان والمكان الغابرة، ويخط حدودا من صنع يده، حدودا أقوى من البداية وأرحب من النهاية.
      قديما كانوا يقطنون البراري ويرعون قطعان الإبل والماشية، يحيون في جماعات متفرقة.. لا يربط بينها سوى المرعى والكلأ، طالما طاردوا أبقارا وغزلانا وحاربوا وحوشا وديناصورات شاردة، ويعودون عند الغسق بعد صراع طويل مع همجية جبرية.. إلى مساكنهم المصنوعة من أديم جسدهم الموارى، ليشعلوا النيران في حطيبات باردة فتوقد صقيع الأجساد المتلهفة..
      آه يا مدينة السحر.. تعلقت بك قلوب البشر ملايين السنين.. وسكبت في حناياهم شذا ذراتك ورحيق تربك المعشوق، صنوان الجسد، الذي يضمه عند الفناء في عطف ورحمة.. فمن لأجسادهم الهاجعة.. من لها عند المفارقة؟
    ذاق ذلك الكائن العجيب طعم السكينة ولذة المدني ة،شيد حصونا وقصورا، وحمل الهواء أنفاس صورته ونبض خلاياه.. بل أطنانا من أحلامه ورؤاه.. لم يكبحه شيء عن بلوغ أبعد نقطة في الكون.. و الوصول إلى مدارك لا تبلغها الرؤى والأوهام.. يا له من قادر عنيد!!.. مارد عتيد..!! ذلك الأعزل الذي هبط إلى كوكب الأرض عاريا يخسف ورق الشجر ويشق جلمود الصخر.. انه الآن يحلق في الفضاء.. يتسلق الكواكب والنجوم في أريحية وثقة.. وما من استعصاء او تقهقر..
      ما أرحب جنباتها، وما أجمل العودة إلى بيوتنا العامرة بالدفء والهدوء بعد الانتهاء من عمل شاق.. ما أروعها الحياة.. فوق أرضها القوية النقية، بلا غبار وكربونات خانقة.. كانت من القلب كالشريان الذي لم يصغ لشكواه أحد حتى تمزق..كنبض هو السعادة والانشراح، آه يا للدفء والسكينة والاطمئنان والغبطة التي كنا نرفل بها.. أيذهب كل ذلك في لحظات من الزمن لا تذكر.. في ثوان ضئيلة؟.. براكين الحسرة لا تجدي في موقف كهذا.. وأساطير الخوف عاجزة عن تحمل التيه الذي أغوص فيه.. جزعي وذعري.. سآمتي ونقمتي.. ألن أنعم بوثير فراشي مطمئنا فيما بعد؟ ألن تحوطني أشيائي.. مدفأتي وكلبي وطاولة طعامي المزينة بأطايب الطعام ونكهاتها الشهية التي تغمرني نشوة؟ قمرتي التي أستقر بها فوق السحاب..ألبومات الضحك واللذة والمتعة؟ أحاديث اللهو والمرح؟ الجلوس أمام الشاشة الضوئية في المساء والتجول في أنحاء العالم؟  ألم يعد في مقدوري بعد اليوم الرقص والغناء ومواعدة الحسناوات؟ أأحرم من جنتي مرة أخرى؟  
     فئة قليلة رغبت في البقاء وتشبثت به، فلم تتقبل أذهانهم ان يفارقوا كرتهم الأرضية ليحيوا في عالم آخر، لم يخلق من أجلهم انهم يستكينون إلى مكان ألفته نفوسهم وتعايشت معه دهورا وعصورا،بينما اقدم الكثيرون على الانتحار،، ولم يثن ذلك أحدا من المهاجرين عن الرحيل، إذ تفاعلوا مع مدنهم الجديدة عبر الأقمار الصناعية، واستقر لديهم انه ليس من فارق بين ارض وارض تحت السماء نفسها.

       أعلنت إدارة شؤون البيئة خبرا أشاع هدوءا نسبيا في أعطاف مدينة السحر حيث تمكن علماء الميكروبيولوجي من السيطرة على الجرثومة السيرانوية، وإيجاد مضادات ناجعة للقضاء عليها،  غير أنها حذرت من سوء الأوضاع المستقبلية، والكوارث المتوقعة كنتاج للخروج المحدود عن المدار.   
   فمدينة السحر تشهد نهاية فعلية للحياة وهي في طريقها لأن تصبح كوكب منحبس حراريا وشارد ، في اعتقادنا أن الأمور لن تثوب إلى مستقرها ولن تكون صالحة للسكنى مرة أخرى سوى بعد سبعة أجيال من بني البشر .
       انهمرت تدفقات أفواج  البشر إلى مراكز  وكالات الفضاء المنتشرة في أنحاء مدينة السحر ، إنه يوم حشر عظيم، تكالب الملايين تراصت الصفوف الآدمية في اكفهرار وجزع، واعترتها فوضى غير مسبوقة ، ترتسم الوجوه بذعر  واصفرار، ويتسابق الجميع  للحصول على مكان في المركبات الفضائية الأولى المتجهة إلى الكواكب المؤهلة لاستقبال الأفواج البشرية، بيد أن معدمي مدينة السحر لم يكن في استطاعتهم الحصول سوى على تذاكر ضئيلة إلى كويكبات قفر، غير معدة  لأنظمة دعم الحياة اللهم الا نباتات غير نامية وبعض أزواج من طيور وحيوانات ونسب ضئيلة من الأكسجين، وسيتطلب الأمر جهدا كبيرا لاستخلاص الماء والأكسجين من الصخور والهواء والجليد الجوفي من اجل الشرب والتنفس وحتى تستقر الأمور يمنح أولئك الفقراء بعض أقنعة الأكسجين والملابس الواقية، وليس عليهم سوى دفع ثمنها. 

                                                          (18)
     تنتظر مجيئه، ليذهبا معا إلى البحر الأبيض، ولكنها غادرت إلى صالة التزلج لم تجد أحدا، استقبلها الروبوت الحارس بحفاوة  ومرح، شاكيا لها ما آل إليه الحال وانعزال البشر عنه، فلم يعد من أحد، ارتدت حذاء التزلج وراحت تجوب المكان كفراشة دائرية. ما ضرنا لو أضرمنا النيران في حطام المشاعر المحترقة، ولكن يمزقها خواء ووهن، ورغبات مضنية، ويقصي الفزع الآدمي طيور الأمن والسكينة عن مرابعها لتفر هاربة..  رقصت رغبة في أعماقها عند رؤيته، وكادت تتوقف عن الدوران.
ـ نعيم كيف عرفت أني هنا؟
انساب إلى جانبها قائلا:
ـ وضعت البوصلة فجاءت بي حيث أنت.
انتبهت سالي إلى أنها علقت بوصلتها التحدثية الخاصة بنعيم  فوق أذنها في الصباح، وعجبت كيف اغمض ذلك الأمر عليها، ولكنها واصلت سيرها قائلة:
فيم كان رحيلك وفيم عودتك الآن؟
انبعثت في أجواء المكان نغمات شجية:
يو.. يو يو.. يو.. يو يو
      يا زمن كله ألم
      يا زمن كله ندم

يا زمن.. غدر وعذاب

يا زمن.. هجر وبعاد

يو.. يو يو.. يو.. يو يو
تابعها منطلقا إلى جوارها متشبثا بإرضائها:
ـ عدت من أجل حبنا
فلوت شفتيها في سخرية:
ـ عن أي حب تتحدث؟
فقال كالمعتذر:
ـ لا أريد أن أتركك بعد الآن
ـ أهكذا تمحو كياني متخذا قراراتك غير عابئ بشخصي، فتتركني متى أحببت وتعود حالما رغبت؟!
ولته ظهرها غير مبالية فتابعها متوسلا: 
ـ سالي، أيقنت خطئي واعتذر عنه
ـ وأنا لا اقبل اعتذارك!
 ولكني جئت اطلب منك امرأ واحدا .
كانت نظراتها مستقيمة بلا هدف فضاعفت من ركضها ولكنه توسل قائلا: أرجوك
نفخت في تذمر: ليس من أمور بيننا 
فقال متأثرا: فلنرحل سالي
رفعت حاجبيها في دهشة
فقال في نبرة حزن:  لترحلي معي
ثم قالت في استهزاء : إلى أين؟
فمد يده نحو السماء قائلا في إغراء: إلى القمر
مضت في سبيلها وقد جاش صدرها بانفعالات شتى حين طرقت أذنيها فكرة الرحيل إلى عالم آخر.

    توقفت عن السير، راحت تتأمل القمر وقد لمعت عيناها ببريق نافذ، حين كنا صغارا، كنا نراه يبتسم، ويلقي بأشعته فوق المباني المعدنية، فتشع أضواؤه أنسا ودفئا، وقدماؤنا كانوا يروون أن فوق سطحه حكيما يروي حكايات طويلة .. إنه بعيوننا نغمة فريدة، وكلمة دافئة، وحبا ناضجا، ولحنا مشرقا، أنت القمر .. امرأة جميلة أنت، أغنية غريدة أنت..  رجل وسيم الطلعة أنت، ضيف طويل الغياب، خفيف الحضور، ستبحث عيوننا دائما في السماء المظلمة عن شيء يشبهك!!..
أفاقت من تأملاتها وعادت تسأله: ولكنهم يقولون إن بيئة القمر غير مجهزة لا ستقبال أفواج بشرية.
ـ ليس هذا ما أعنيه.
فبهتت قليلا ثم سألته: إذن ماذا تعني؟
أجاب بحماس: أعني القمر " تيتان " 
ـ ولماذا القمر تيتان بالتحديد؟
ـ انه اقرب إلى طبيعتنا فقد تجولت عبر الأثير في وديانه وأنهاره فوجدتها تحمل صدى كوكبنا، كما أنى مللت طغيان الآلة واستبدادها وتيتان يحمل تجربة الخلق الأولى.
ـ أتفر من كوكبك إلى كوكب مشابه؟ فسر لي ما تفعله. 
ـ إني أفر إلى عهود لم أرها، إلى عالم يحمل شيئا من نفسي. 
ـ وهل يفلتك الرحيل إلى القمر من قبضة الألم؟ أنت بحاجة إلى علاج اضطراباتك الجينية وإزالة تلك الخلايا السوداوية التي سمحت لها بالتكاثر والنماء.
ـ في غضون سنوات قليلة سنبني بيتا من طين أو حتى من الخوص، ونحيا تحت سماء خالية، نقية، ولن أحتاج إلى شيء من ذلك.
ـ باستطاعتك تحقيق ما تريد فوق كوكبنا.
ـ أنت كمن يقول للمبصر مزق عينيك لئلا ترى ضوء النهار، أو أغلق أذنيك فلا تسمع صوت الكون، أو امش فوق قدميك ولا تلتفت إلى  قمرتك.
     حين حدثها نادر من قبل في ذلك الأمر لم تعن به ولم تفكر آنذاك في تداعياته، فلم يدر بخلدها يوما أن تغادر موطنها إلى عالم تجهله. ولكن الحلم اضطرم بمخيلتها.



ـ 19 ـ
    
    زمن أجوف يدوي بداخله عزف سيمفونيات القهر الآدمي والفراغ والمتع الدنيا .. بباطني مارد غاضب ينزع إلى الانقضاض على ما تبقى من عقلي، وأكبحه فيدمر فتات الروح المتشبث بالبقاء.
ـ هل أعود إلى الفطرة.. البدائية.. بكارة المكان ورائحة صخوره وغباره؟ .. كم أتوق إلى ذلك..كم أحن إلى بدء جديد.. كد جهيد، إلى قطرات عرق تتساقط من جبهتي.
ـ حقا أنت غريب.. أتسعد بابتعادك عن وطنك الأم؟ أيسهل عليك ذلك؟
فنظر في عينيها مقطبا حاجبيه في ألم، وأشار إلى ذاته قائلا:
ـ اسأليني عن عدد خلاياي المقتولة فأجيبك بأنها مليارات غير محصورة.. قتلتها تلك الأم  بل مدنيتها الساحقة.. اني أحيا بلا وجدان، أخلو من خصوصية الكيان ، أتعامل مع جمادات ناطقة مصطنعة الشعور تفكر لي..تبصر وتسمع وتقرأ، إني احمل روحي بينما تحمل هي خصائصي، فصرت مثلها، جامدا مفتقدا لدفء الشعور،  للحبور الآدمي، للضحك من أعماق القلب..إنها تتعقبني.. تزيحني عن عرش آدميتي..  إن كل شيء في متناول يدنا،  يراودني حلم الهرولة دون قيد ، أن أحمل فأسا في أرض طينية، أن ارتدي قطعا من الخيش.. ان أتدثر بأوراق الشجر.. ان أخشى حيوانات مفترسة، كائنات أخرى، عالما آخر.. ان اصل إلى ذاتي..أن أطارد بقائي فأنعم به.
  سمير ونوال نائمان، تابعت الشاشة المكانية، ثم سجلت رغبتها في الاندماج في مدينة القمر تيتان، فجالت داخل الشاشة فوق ارض القمر ورأت الاستعدادات.. إنها أكثر من رائعة، ولم يكن من فارق كبير، فالطرقات ممهدة والمباني الحجرية مجهزة بشتى وسائل الراحة، والنباتات تتمايل كما لو كانت فوق سطح مدينة السحر..




ـ20ـ
لم تغير دهشة نادر من روعة الرؤى، ولكنها ترددت عندما سألها قائلا:
ـ أتفكرين في الرحيل إلى كوكب آخر؟
صمتت برهة ثم قالت:
ـ لم أقرر بعد.. ولكني أعتقد أن عالمنا أصبح فوضويا، وأني بحاجة إلى أن أحيا في عالم صنع من أجلي، عالم أرحل إليه بإرادتي الواعية.
ـ نحن الذين أوقعنا هذه الفوضى في عالمنا، فإذا فشلنا في جعل كوكبنا صالحا للسكنى هل يمكننا ان نكون أهلا للثقة بالنسبة لعوالم أخرى؟ أظن ان فشلنا سيصاحبنا إلى الفضاء.
ـ ولم لا تعتقد ان أحفادنا سينظرون إلى وطنهم الأم نظرة استنكار وتعجب كيف انا تحملنا البقاء عليها جميع تلك الملايين من القرون؟. 
 ـ نتنكر لملايين القرون من الحياة المستقرة ونتناساها بسبب لحظات يأس وفشل، ستنتهي آجلا او عاجلا، إن في ذلك أنانية وهدر وتفريط، هدر لكل تاريخنا العريق، وتفريط فيما صنعته أيدينا من مجد وحضارة، وتنصل من الواجب، عندما يفعل الجميع ذلك، عندما نرحل جميعا من سيبقى؟ من سيحمل ذكرى الإنسان ويتتبع رائحة خطوه فوق الأرض؟
فقاطعته بصوت حاد: ذلك الإنسان نضبت أحاسيسه، وفرغت حياته من محتواها.
أشار نحو صدره في ثقة قائلا:
ـسالي انظري إلى، أنا إنسان لم تفقد حياتي معناها، أحاسيسي كتلة حية نابضة، ومستقبلي يقين وواجب.
ـ ضقت بالشعارات الجوفاء
ـ أهذا اعتقادك؟
ما كانت تبال بصلة تعلم أنها بديل غير مجد لشجون منحسرة
غادرته محتدة وهي تقول: نعم، وسوف أرحل.


ـ 21ـ
تساءل نعيم وهو يرنو إلى السماء المظلمة: عندما أسقط في الفضاء، كيف يكون مصيري، هل يدور جسدي في أفلاك دائرية؟ هل تجذبه مجرات أخرى ليصبح شيئا معتما ثم يتلاشى في الظلام؟ أطمح إلى معرفة مصيري، هل هناك من يجمع أشلائي المتطايرة، المعذبة؟ 
فقالت في تذمر: أمرك عجيب، لم الحيرة؟ وقد اتخذت قرار الرحيل بكامل إرادتك؟ ولم لا تبق حيث موضعك الحقيقي إن كنت لا تملك رغباتك وأفكارك؟
ـ إني أتأمل حقيقتي، أفتش عنها.. أناقش جدواها، قيمتها.
ـ  من أنت لتجعل من نفسك محورا للكون؟ أفق من شطحاتك المدمرة.
ـ إني جاد في قراري ولكن ظنونا تتخايل لي، فتعيدني إلى حيرة سوداء واجمة .
ـ أنت غريب الأطوار، حائر الفكر، مزعزع الوجدان..


                                                     ـ22ـ

اغرورقت عينا نوال، استدارت في ألم تقاوم نحيبها، وكأن الحياة تختنق لتصبح تابوتا مسدل الستائر..  فدلف اليها سمير معانقا إياها في جزع وخشية،  وراح يمسح عن وجنتيها دموعا توشك أن تنهمر، تعلقت به في ذهول قائلة: 
ـ سالي، ابنتنا الوحيدة يا سمير، هل نفقدها إلى الأبد، ولا يعلم إلا الله إن كنا سنراها ثانية أم لا، كيف أوتيت تلك القوة على هجرنا، من أين لها بهذا القسوة، ألا تدرك إنها امتدادنا الوحيد فوق تلك الأرض، ألا تعلم أنها نفثة البقاء التي نرحل عنها مطمئنين إلى أن طيفها يغرس بذور ذاتنا، وينمو بها، فيكتمل حلمنا الذي عشنا من اجله..أليس يعد في استطاعتك إقناعها بالعدول عن قرارها؟
أدار وجهه مداريا ألما عاصفا: حاولت ولم تكن هناك فائدة.
فقالت في لهفة لا.. لا أريد أن أراك متألما، انس الأمر ، دعها تفعل ما تشاء، يكفيني أن نبقى معا،لا أريد أن أفقدك أيضا.  
بذلت سالي جهدا مضنيا لإقناعهم بالرحيل معها ولكنها باءت برفض مستميت
ـ لن أترك تلك الأرض التي احمل مكوناتها، والتي أنا جزء منها، ليس في استطاعتي ان أتنفس هواء آخر، او أبدأ رحلة لا اعرف نهايتها.
ـ أبي إن كوكبنا يستنزف الآن وفي طريقه إلى زوال محتم.
ـ لا، لا تقولي ذلك، انه باق ما بقيت أنفاسنا ودماؤنا، وان ساء الأمر فسنعتزل وأمك الحياة ونتقوقع بعيدا عن المخاطر المحيطة بنا.
ـ ولكن!
ـ أنت اخترت مسيرتك، فامض كما تريدين ولا تشغلي نفسك بأمرنا، فنحن إن خرجنا عن ذلك المدار قتلنا.
ـ إنهم سيخرجون الأرض عن مدارها، وقد ينزعون غلافها إلى كوكب آخر  فسترغمون عندئذ على الهجرة.
ـ نحن لن نسمح لهم بفعل ذلك
أطرق مليا، ثم قال: وان يغادر الجميع، سنبقى حتى آخر رمق، ولن نخذل تاريخنا السحيق، ولن نترك عبق الماضي، انه يحمل زفير أجدادنا، الذين جعلوا من أجسادهم أديما تتجدد به الأرض وتنمو، سنكون مثلهم زادا تستكمل به الحياة دورتها، فتترعرع وتمتد.
حزمت سالي أمتعتها في يأس، فسألتها نوال في لوعة وانقباض: ـ ألن تعودي؟
 تأثرت سالي للهفة أمها وجزعها ثم تمتمت وهي تهم بالانصراف: قدرنا ان نفترق.


ـ 23ـ

ـ فلننجب طفلا آخر
ـ ربما يهرع إلى عوالم أخرى، ونعجز عن صده .
ـ سأغرس في قلبه انتمائي وعشقي.
ـ وهل يطول بقاؤنا ؟
ـ نعم، وستخبرك الأيام بصدق بصيرتي.  






-24-
      انجابت لحظات الجنون عن وعد بالسباحة في الفضاء اللانهائي، وأسفرت زوبعة الرفض والتردد والحيرة عن رعشة حلوة وتجربة ذات مذاق جديد، وتلذ المغامرة وقد دغدغت أحلامهم غرائز الاستكشاف والتطلع للوصول إلى نقطة محددة هي القطب الشمالي للقمر تيتان.
                                        


تمت