31‏/07‏/2014

رواية " لميس" الحاصلة على جائزة الشارقة للإبداع العربي .. علا حسان

ظلم مؤلم، عجز مضني، قهر قاتل، كل شيء من حولي موجع ،الألوان واللوحات ، الهمسات والضحكات، الأنامل والجوارح ، الزمان والمكان والكلمات..الظلمات والدوامات ، ظلم يمتد كجرح بطول العمر كله.. يمزق الجسد كله.. بل قهر يمتد ليس بطول عمري فقط.. بل يمتد منذ قرون طويلة ويتسع كل يوم.. جرح لا يقاس طوله بأبعاد الزمان ولا بمقاييس المكان.. جرح يتعدى عمري ليضيف إلى هزائمه هزائم أخرى بطول أزمنة التاريخ .. جرح يؤلم فيه ما حدث في كل بقعة من بقاع تلك الأرض ، جرح بطول التاريخ وعرض الأمة.

   انكسر الوجود في ناظريها ..فشق أذنيها صوت تكسره الزجاجي الحاد،  وتحطمت كل أحلامها .. تحيا في مجتمع لا يصدق إبداع المرأة .. مجتمع ذكرى لا يعترف بقدراتها وباستقلاليتها .. "ريشتي تشهد أنى رسمت جميع لوحاتي بها، "البلتة " التي مزجت فوقها ألواني .. الليالي التي سهرتها ، الوجوه التي نقشتها أناملي، كلها تشهد أنه إبداعي ، وصنع يدي  .. الظلم قاهر كالموت ، والغبن بركان يزحف نحو الزهور والأجساد والبيوت والشهيق الحالم ، والزفرات المطمئنة ، والضحكات المترعة بكئوس البقاء ، والسرائر المفروشة بأوشحة حريرية فيحيلها جمرات داخل موجاته الثقيلة ، ويجعلها زادا لطغيانه المهيمن ..

   تقف أمام لوحاتها ، تتأملها في حسرة .. جميعها لبنات من قلبها وعقلها وروحها .. وكأنها أجنة نبعت من رحمها .. إنه لا يجيد إخراج دفقة المشاعر كما تخرجها ، ريشته عاجزة عن حمل النبض البشري ، يجيد المقاييس فقط ،  بينما تجيد هي رسم الإحساس ، بخطوط سريالية مبحرة في مكونات الطبيعة ورموزها وأشكالها. 

   ها هم يحرمونها ما تملكه، يحرمونها من انتماء أعمالها إليها، وميلادها بين يديها، يضنون عليها بالإبداع والفكر، يظنونها بلهاء، عاجزة.  تبكي في حرقة .. حتى متى تذرفين دموع الهوان يا لميس؟ حتى متى يغتالون براءتك وإقبالك على الحياة ؟.. تُمسك بإحدى لوحاتها ... عساها تنطق فتخبرهم أنها شيء من نفسها ولحمة ذاتها .. نتاجها البكر .. الذي تعهدته بالرعاية والرواء حتى نما واكتمل .

   تركع باكية ، متألمة وقد علا نشيجها حتى شق أستار الليل المسدلة من حولها .. مازالت اللوحة في يدها تقاسمها الألم ، الى ان توارت داخل غيمة بكاء مظلمة ، فاستحالت أشباحا هائمة ، وخيالات راقصة .   

  كفاكِ بكاءً . . ألم تسأمكِ المآقي مثلما يسأمكِ كل شيء .. عقلك وتاريخك والجدران وغلافك الناقم؟..العالم يغني وأنت تبكين .. الأحياء يرقصون وأنت تنشجين؟ انهم يكرهون البكاء .. ينفرون من نظرات الألم  .. حذار أن تبدي شيئا من أوجاعك .. إنما يسعدهم من ينسيهم حسراتهم فلا تذكريهم بها .. وإلا تنبذك الأزهار والأغصان وتعرض عنك الأسنان الضاحكة .. ويفزعك مردتهم الذين ينكلون بأمثالك من مثيري السأم .
 تجلس بجانب صخرة تنطوي ضخامتها على دهور ضوئية ، ربما كانت من قبل في حضن جبل شامخ الأوتاد .. راسخ الجذور .. متصل بالجوف المنصهر وبالسحاب الأملس .. اختبر البرد والزمهرير وشام البرق وتوعد الرعد .. ربما كانت تشكو سوء الحال فهبط بها تيار السيول الجارفة الى بطن واد ترعاه قردة وخنازير .. فكانت موطئا لنعالها المسمومة .. ومراحا لأظفارها الملوثة ..

   بعد قرون مخادعة .. جرفتها رياح الهبوب نحو شاطئ ذلك البحر المبتسم ، توارت خجلا من خدودها المنشوبة ، وتعرجاتها البينة ولكنه راح يمسح عنها آلامها .. يطمئنها أن مياهه المالحة قادرة على ضماد تشققاتها .. وعند كل فجر كانت تلطمها أمواجه في قسوة فتلحم جروحها الغائرة وتزيل قشورها البارزة .. حتى استوت في نعومة ليستند عليها الباكون في مختلف العصور.. ويتناجى عندها العاشقون .. أما هي فتجلس اليوم بمفردها تندب وحدتها وحظها العاثر .. تنظر نحو البحر فتجده مهيبا واثقا متفائلا رغم الظلمة المحدقة به .. 
    " بهاء " يضيق بكآبتها وحزنها ، وعزلتها عن العالم . تنثر نبرة صوته القوية رذاذ الفن والإبداع .. كلماته تثير سخريتها فتحدث نفسها هازئة: " عن أي فن تتحدث.. تساقطت أحلامي معك حلما وراء حلم ، مشيت خلف سراب ، ولم أظفر منه بقطرة ماء تنقع غلة ظمئي ، انها تجارة ومن يدفع الثمن يحظى بالمجد ، قائمة خسائري أطول من حبال نفسي المعقودة"..
   تختلس النظر اليه في مرارة قائلةً لنفسها" فتر ينبوع حبه الخادع ، لم يقدم لأجلك شيئا ذا قيمة ، ووهم المجد الذي حلقت به في السماء كان خرافة كبرى. فلا تعودي أسيرة وهم ماض خادع . الآن أكرهك من صميم قلبي ، أكره قبحك ، وطولك المفرط ، وكتفيك المحنيين ، ولؤمك وكذبك وحقدك الخفي".

18‏/12‏/2013

يا فاطمة .. أدركي أباكِ .. قصة قصيرة ... د. علا حسان


  يجلس السيد فايز في الخمّارة كل ليلة.. يحتسي كأسا وراء أخرى منتشياً.. كأنما يرغب في نسيان آثامه إذ كان يظلم الناس ويأكل حقوقهم، يضرب ويخون ويخدع، يأكل السّحت ويقبل الربا.. لا توجد معصية لم يرتكبها.. يتحاشاه الناس من معصيته... حتى ضاقت به أو ردته وأصيب بذبحة صدرية.. لم يسعفه أحد من السكارى..
ظل ينتظر الطبيب، أطل عليه كائن هلامي لم يستطع أن يستبين ملامحه:
ـ أنت الطبيب ؟
ـ نعم أنا..
قال وهو يزيح ياقة قميصه ويفك أزراره: إذن أنقذني من هذا الاختناق ؟
ـ  سأنقذك بأسرع مما تظن، فأنا قرينك الذي قضيت حياتي في خدمتك.
ـ قريني، مهتم بي طوال حياتي..ولكني لم أرك من قبل.
 برقت عينا القرين وهو ينظر في وجهه قائلا: أنا مكتوب بين عينيك لو كنت تقرأ الجبين لرأيت رسمي فوق جبينك، لا أفارقك إلا عند الموت، إني انتظر خروج روحك من جسدك لأكون قد أنهيت وظيفتي معك فأنتقل إلى غيرك..
ـ جئت تخرج روحي أم تعالجني؟ لست أفهم!
فغر فاه عن بقعة سوداء: قلت لك إني مهتم بك، فأنا قرينك الذي رافقك طيلة عمرك، قمت بعمل دراسات عليك، درست كل خلية في جسمك وفي عقلك وفي بدنك، مداخلك ومخارجك جميعا، أعرف كيف ادخل وكيف أخرج منك، وأعرف نقاط ضعفك وقوتك.
ـ تدرسني أنا ؟
تغيب صورته وتظهر مثل شاشة هلامية:نعم هذه هي مهمتي، أنا أعلم بك منك، بدراستي تلك أعرف ما سيصيبك من أمراض وكيف أقودك إلى هلاكك، ومتى تكون قادراً على النّجاح فأحبطك ومتى تكون عاجزا فأتركك.. ولا أبذل كبير عناء في تنحيتك عما يفيدك، أتذكر ذلك اليوم الذي أردت فيه أن تتزوج من تلك الشقراء الناعسة، كنت أصرخ رعباً وخوفاً من إقدامك على الزواج منها، أو شكت أن تصبح جنتك في الحياة فكيف تعيش في الجنة وأنا في قيد النار؟ أنت تتزوج هذه الصبية الطيبة، على ناري أن تصل إلى مرادك عجزت عن صرفك عنها فدلفت إليها لأكرهها فيك، وأجعلها ترى عيوبك وأخطاءك، أو  تظنني ألهو إني أعمل بجد، أنت عملي ومصدر رزقي، لقد ترقيت بسبب نجاحي في تعطيلك وتدمير حياتك وأطمع في ترقيات أكبر.
مد السيد فايز يديه في الهواء متألماً متحسراً، وقال بحرقة عاجز:آه يا ويلي.. ليتني رأيتك وجهاً لوجه لكنت قتلتك، ليتك تواجهني فأمزقك، أرنيه يارب حتى أقتله ألف مرة، وأخنقه بيدي ضيعني، ضيعني يا الله وافقدني مالي وحالي وشتت شملي وفرق جمعي وآل بي إلى الفقر والذل.
حلق القرين فوق رأسه هازئاً: تخنقني؟ وهل أنا مثلك من طين عفن، إني خلقت من نار وما لمثلك أن يراني أو  يلمسني، تخنق شيطانك العامل على كل خطيئة والحاض والمشجع على اقتراف كل إثم؟ عليك أن تشكرني لأني لم أكن أستريح الا عندما أتركك على باب الخمارة، وعندما أعلم أنه لا فائدة من سعيك، وعندما تدخل المسجد لتصلي أشغلك لأصرفك عن الصلاة ولا يصادفني راحة إلا إذا صليت ووضوءك باطل فأعلم أنه لا فائدة من صلاتك فألهو وأمرح، إن عملي شاق ولا راحة فيه أنت وحدك الذي تمنحني الراحة عندما تيسر على أمور ضلالك.
ـ  كيف لم أنتبه.. ثم تلفت وهو يختنق أكثر:
ـ كف عن الدوران حولي.
ـ درست كل شيء يتعلق بك، ماذا تحب، ماذا تكره، كيف أقنعك بما لا تريده، وأبعدك عما فيه خيرك، كيف أجعلك تخسر أموالك، وأدخل عليك الهمّ والغمّ والقنوط والحنق، وأملؤك بالحقد والغل والضغينة والحسد.. أتذكر تلك الأرض التي سعيت لشرائها لقد كنت أركل وأضرب قدمي في الأرض خوفا وجزعا من أن تشتريها، سيصبح ثريا، سيتركه الفقر كنت أعلم أنها ستجلب ملايين الدولارات لذا صرفتك عنها، وارتاحت نفسي بانصرافك ذاك وهدأت ناري كنت على وشك أن أخسر منصبي لو أنك اشتريتها.. بفضلك نلت أكبر المناصب، امتلأت وصرت قويا لأني أشاركك كل ما تأكل بل آكل أكثر منك، فأنت وهبتني نعمة أشكرك عليها وهي أنك لا تذكر اسم الله فأبتهج وآكل بفرح ونشوة.
ـ إذن أنت أيها اللعين وراء ما حدث من مصائب وكوارث في حياتي أنت من كنت تدفعني إلى الضلال!
ـ نعم، وتعلمت كيف أدفعك إلى الحرام وإلى الخطيئة بكل مهارة وكيف أبعدك عن الطريق المستقيم وعن النجاح في حياتك بكل ما أوتيت من قوة.
ـ لا أصدق، عجيب حبك لإيذائي!
ـ لكم تمنحني شرفا عظيما إذا خنقت نفسك الآن، أن تموت منتحرا إنه أفضل إنجاز سأحصل عليه في هذه المهمة، آه لو تفعلها فأحصل على منصب كبير العتاة، سيصبح لي خدام وجنود وسيكون تحت إمرتي ألف عفريت ! ليتك تفعلها وتسدي لي هذا المعروف.
ـ أي معروف ولم لا تسدي لي أنت معروفا وترحل عني وتتركني ؟
ـ لا أتركك قبل أن تتركك نفسك، سأغتم إذا نجوت، يؤلمني أن أراك سعيدا منشرح الصدر، ويقتلني الغم والكدر إذا نجحت في شيء وكم أفرح عندما تصيبك مصيبة أو  توشك أن تقبل عليك، ألم تشعر بفرحي ذاك، ألم تشعر بسعادة تسبق مصائبك دائما ألم تكن تنتابك نوبات فرح هائجة؟ إنه فرحي أنا لأني أعلم حقيقة ما أنت مقدم عليه.
ـ نعم، أذكر فرحي الشديد عند توقيعي ذلك العقد المنحوس وتلك الشيكات التي دمرت حياتي،  كان فرحا غبيا مني، أنت لم تضيعني بل أضاعني غبائي وحمقي.. يالي من غبي، لو أعود إلى قوتي وعافيتي، أبقني يا الله بضع سنوات بل عاما واحدا حتى أمحو جرائر الأيام.. أكفر عن الآثام.. حتى أبكي على أعتابك يا الله نادما، أبقني، لا تقبض روحي..
همس القرين في أذنه ضاحكاً منتشياً:
 ـ جنودي يؤدون عملهم في تأخير سيارة الإسعاف عنك.. اليوم أنت ذاهب إلى الجحيم ولا مغفرة لك.. فات أوان التوبة.
حرك فايز يده ورأسه في كل اتجاه متألما: لعنة الله عليك.. لعنة الله عليك... ياليت بيني وبينك بعد المشرقين، بئس القرين أنت.
     حملت سيارة الإسعاف السيد فايز.. بعد محاولات مضنية من الأطباء تم إنقاذه من براثن الذبحة الصدرية.. نصحوه بالابتعاد عن مهيجات الذبحة.. أبدى ندمه على ما فات بضعة أيام ونوى الاستقامة.. قاطع الهلس أياما وسرعان ما عاد إلى سيرته الأولى..  لم يتذكر من أمر القرين شيئا سوى أنه كابوسٌ لعين..

ـ2ـ

   بعد عدة أعوام.. قرر السيد فايز أن يتزوج وينجب.. فتزوج وأنجب ابنة سماها فاطمة.. أحبها حباً شديداً.. أصبحت نور حياته الذي يبصر به، كانت براءتها تخطف فؤاده، وتشعره بدناسة أفعاله وحقارته، وكلما كبرت فاطمة زاد إيمانه، وما إن ترى بيده كأس من الخمر، حتى تقترب منه وهي تحبو لتزيحه بيدها الصغيرة، فيحملها ويجلسها في حجره وينسى شرب الخمر، وكلما كبرت طفلته قلت كبائره، وابتعد شيئا فشيئاً عن المعاصي.. حتى أتمت ابنته ثلاث سنوات. وفجأة ماتت فاطمة.. واراها الثرى ولم يستطع الصبر على فراقها فعاد أسوأ مما كان.. وتلاعب به الشيطان.. خيرته زوجته بينها وبين خمره وكأسه، فاختار أن يبقى كما هو، يمضي صباحه في النوم، وليله في السكر والخمر.
 وذات يوم قال له قرينه: " لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل" فعزم أن يشرب الخمر وظل طيلة الليل يشرب ويشرب ويشرب...
 بعد عودته من الحانة، دخل بيته وهو يترنح، ألقى بجسده النحيل فوق الأريكة، لم يشعل ضوء بيته البارد، جلس في الظلمة، يتمايل بجانبه ضوء خافت قادم من غرفة فاطمة، ولما تذكرها بكى بكاء مريرا لفقدها..
شعر بوخز في صدره وضيق تنفس، أزاح قميصه عن عنقه، اعترته أعراض الذبحة مرة أخرى، ونسي ما كان من أمر توبته في الذبحة الأولى التي نجا منها، ولكنه لن ينجو من براثنها في هذه المرة.
 تراءى له وجه القرين، بذل جهدا لتذكر أين رآه من قبل، وسرعان ما انقلب القرين إلى وجه جميل:
ـ أنا ربك ألا تراني، اسجد لي واشكرني وأنا سأبقيك، ولن أقبض روحك..
عاودته ذكرى ذبحته الأولى، فتذكر وجه قرينه، إنه ذلك الذي رآه من قبل، وأنسته الأيام حقده وعداوته، لا يدري كيف نسي عدوه اللدود الذي أهلكه وساقه في طريق الضياع، كيف أو هم نفسه بأنه كان كابوسا، وتجاهل خططه ومكره واعترافاته.
أشاح بوجهه مشمئزا: انصرف عني أيها اللعين، أعرفك.. كيف تبدلت.. أتريد لي الكفر؟.. أنت اللعين..
ـ بل أنا ربك..ألا تدعوني الآن سأستجيب لك وأمنحك عفوي وغفراني فقبل يدي واسجد لي وقل لي لا إله إلا أنت.
ـ انصرف عني.. أغثني يا الله أنا الضعيف اللاجئ ببابك..أغثني من اللعين..
اختفى القرين محلقاً، ابتلعه سقف البيت، وإذا بالسيد فايز يبصر ابنته واقفة أمامه، في طفولتها البريئة، وجمالها السماوي، مد يده متشوقاُ ليضمها إلى صدره، فعجز عن رفع جذعه، كان ثقيلا محموماً كأنما يرزح جسده تحت أكوام من الرمل، بدت أمامه طفلته الحبيبة.. جاءته في ثياب ناصعة البياض، لتؤنبه قائلة:
ـ ماذا بك يا أبي إنه ربك لم لا تشكره وتسجد له؟
ـ من ؟ فاطمة ..  كيف عدت ؟
ـ نعم أنا فاطمة يا أبي.. صدقني إنه الحق.. آمن به يا أبي.
ـ عمن تتحدثين..؟
 ـ عن ربك.. انظر إليه كم هو جميل يا أبي!
ـ أترين ذلك يا ابنتي؟
ـ نعم يا أبي.. صدقه.
تردد برهة، ثم قال: لا، ليس هو.
ـ بل هو، أنت لم تره من قبل يا أبي، ولا تعرفه.
ـ لا يا ابنتي إنه اللعين الذي أضلني.. إنه ليس ربي.
اختفت طفلته عن عينيه وما زال يمد يده متشوقا لأن يحتضنها. تلون القرين مرة أخرى ليظهر في صورة أبويه، حدثته أمه المسكينة بنبرتها الحانية:
ـ ماذا بك يا ابني لم لا تسجد لربك لم لا تشهد به؟
ـ لا يا أمي إنه ليس بربي.
فقال أبوه:
ـ بل ربك يا بني، آمن به.
ـ حتى أنت يا أبي ! جميعكم تريدونني أن أكفر ؟!
ـ استغفر ربك يا ابني.
ـ ليس بربي.. اتركوني.. ارحلوا عني.
ـ كيف يتركونك؟ لما لا تصدقهم؟.. أتكذب ابنتك وهي في الجنة ووالديك وهما أحن الناس عليك ألا ترغب في دخول الجنة؟
ـ نعم أرغب.
ـ إذن اسجد لي وقل لي لا إله غيرك.
ـ بل ألعنك واستغفر ربي واسأله العفو.. أسأله أن ينتقم منك.. أن يرفع غضبه ومقته عني.. ليت السنين تعود فأبصق عليك كل يوم.. ولا أفعل شيئا غير السجود لله والاستغفار والعبادة.
قال القرين ساخراً: فات أوان الاستغفار، فقد اخترت غوايتك بنفسك، ولا تلقي باللائمة علي فأنا بريء منك... إبكِ ما شاء لك البكاء فلن تسعك بعد اليوم أرض ولا سماء..
عضّ أصابع الندم وهو يردد:
ـ آه.. أيها القرين اللعين! ليتني أعود فأقهر غبائي وأترك شهواتي وأتوب عن المعاصي.. ليت العمر يعود من جديد فأصلح ما فات.. أفعل هذا ولا أفعل ذاك، ليت قدمي قطعتا قبل أن تمشي في الخطيئة... ليت يدي بترت قبل أن تضرب وتسرق.. ليت لساني لم ينطق بالكفر.. ليت جوارحي لم تفعل شيئا غير عبادة ربي.. ليتني كنت تراباً.. كيف يعود العمر.. هل من كرة أخرى؟.. كرة أخرى يا الله... امنحني هذه الأمنية.. هبني إياها.. أتوسل إليك...أعدني.. أرجعني أعمل صالحاً.. الدموع تخنقني والندم يمزقني. أما من عودة ؟ بضعة أيام. وكيف تعود الأيام.. كرة واحدة يا الله..  كرة واحدة.

ـ3ـ


    بُعث السيد فايز إلى يوم الحشر، أظلمت الشمس، وزلزلت الأرض، سيرت الجبال، واشتعلت البحار ناراً.. وجمعت الأمم إلى أرض المحشر.. الناس أمم لا حصر لها.. تلوح رؤوسهم في الأفق كرؤوس النمل.. سواد عظيم يزحف كبساط من الموج.. هؤلاء هم البشر الذين كانوا يحيون فوق الأرض.. هؤلاء الناس الذين كانوا يتصارعون ويتقاتلون في الدنيا؟ كلٌ اليوم في شأن يغنيه.. يناديهم المنادي فردا فردا، ليقرأ كتاب كل منهم وتعرض أعماله، فتسود وجوههم عند قراءة صحائفهم، والسيد فايز بين الناس، غارق في زحام البشر، حتى نودي: "السيد فايز هلم للعرض على الجبّار" ارتعدت فرائصه، تحول وجهه إلى سواد شديد لشدة خوفه، وإذا بالبشر يختفون من حوله وكأن لا أحد في أرض المحشر.. وفوجئ بإخطبوط عالٍ ضخمٍ يقفز نحوه فاتحا فمه. فجرى هلعا ورعبا، تلفت في كل اتجاه حتى وجد شيخاً ضعيفاً، فرجاه قائلا: أغثني من هذا الوحش.
ـ يا بني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن اجر في هذه الناحية لعلك تنجو.
جرى حيث أشار له وإذا بالنار تلقاء وجهه والإخطبوط خلفه.." أأهرب من الوحش لأسقط في النار" فعاد يجري مسرعاً، والإخطبوط يتلوى ناثرا أذرعته، فعاد للرجل الضعيف واستغاث به: "بالله عليك أنجدني أنقذني".
بكى الشيخ رأفة بحاله، وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن اجر تجاهذلك الجبل لعلك تهرب.
 جرى للجبل، والثعبان يفغر فاه لالتهامه، فرأى على الجبل أطفالا صغاراً وإذا بالأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك.. أدركي أباك.
نظر فرأى ابنته تطير نحوه.. وهو ميتٌ من شده الخوف فدفعت الإخطبوط بيدها اليمنى وأخذت أبيها بيدها اليسرى، عجب لقوتها ولقدرتها على الإمساك به، وفرح برؤيتها وبنجدتها له في ذلك الموقف العصيب.
 جلست فاطمة في حجره كما كانت تجلس في الدنيا. بدت عليه الحيرة فسألها: يا بنيتي أخبريني عن هذا الوحش، لم يلاحقني؟
ـ هذا عملك السيئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك.. أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة؟
ـ وذلك الشيخ الضعيف؟
ـ ذلك العمل الصالح.. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لك شيء ولولا أنك أنجبتني ولولا أني مت صغيره ما كان هناك شيء ينفعك.
مكث السيد فايز محتضناً طفلته الصغيرة لم يسقط في جحيم النار ولم يرق إلى نعيم الجنة [1].








[1] تصور عصري لرؤيا مالك بن دينار رحمه الله.

10‏/11‏/2013

نظرية الرواية العربيـــة د. علا حســـان


   صدر كتاب " نظرية الرواية العربية " للدكتورة علا حسان" والكتاب يعرض في جميع المكتبات الجامعية، ومتوفر على موقع دار الوراق.

وثمة دوافع عديدة لكتابة هذا البحث ومنها:

 أولاً : أن معظم الدراسات النقدية تتجه إلى تحديد مفاهيم جزئية كالسرد والزمن والمكان والشخصية والحدث دون وضع معالم كلية واضحة لمفهوم النظرية ولكيفية تشكلها، ولمختلف جوانبها ، وأدواتها وتصنيفات الرواية  وظيفياً وبنائياً .
 ثانياً : الرغبة في تشكيل الفكر النقدي العربي الذي تتضح من خلاله الهوية العربية، وإثراء التجربة النقدية العربية وتأكيد أن النظرية النقدية تبني عالمها من التفاعل بين النص الإبداعي وبين مرجعياته التاريخية والأطر الثقافية والمعرفية وليس من خلال تطبيق المناهج الفلسفية أو النظريات العلمية على الأدب لوجود فجوة كبيرة بينها وبين الأدب. وأن دور النظرية النقدية العربية يتركز في صوغ الواقع الإبداعي العربي، ذلك الواقع الذي تشكله محاور لا يمكن التغاضي عنها أو تجاهلها ومنها البعد النفسي والبعد الروحي والتاريخي، لذا كان من الضروري تشكيل رؤية خاصة بالرواية العربية لغوياً ونقدياً وأدبياً وبلورة النتاج الإبداعي الروائي من خلال أبرز الصروح الروائية العربية والظواهر العربية والتي شكلت علامات بارزة في مسيرة الرواية العربية
 ثالثاًأنه قد جرى عرف بعض النقاد والباحثين في فن الرواية على تصنيف دراستها وفق مقتضيات المكان، وإتباع كل قطر على حدة، كالرواية في مصر، والرواية في سوريا.. وفي العراق وهكذا، وكان لذلك مسوغاته وأسبابه في حقبة زمنية سابقة كصعوبة انتشار الكتاب من قطر عربي لآخر، وإبراز الطابع الإقليمي لكل قطر، واختلافه عن الأقطار الأخرى، وقد ارتأيت أنه تقسيم تقليدي يعتوره القصور، يفقد الرواية العربية أصالتها وامتدادها، ويفتقد الرؤية الشمولية، وتسيطر عليه العنصرية والانفصال القطري، ولا يحقق التكامل المنهجي في استقراء الظواهر وتتبعها، خاصة وأن هذه الظواهر لا تقتصر على إقليم دون آخر.

12‏/08‏/2013

19‏/06‏/2013

الخندق ... قصة قصيرة .. د. علا حسان


يحدّقون حيال الخندق راغبين في تجاوزه .. عبوره إلى عالمهم القديم  .. الغناء والسمر، الفراغ والأمل. العيون ترنو إليه في غموضٍ مبهم .. يبدو خالياً من الشجون المحصورة في ثنيات القلوب الموجوعة .. يبدو أروع ما تراه العين ، أبهى من كل الظنون ، ممتد في رحابة  لم تعايش آلامهم .. لم تعرف أخطاءهم .. خوفهم الصقيع ..
تتراجع الأيدي لتصدَّ الملهوفين لعبور الخندق ، لتحول بينهم وبين اندفاع مهووس ، والرؤوس المطأطئة نحو القاع كأن أحداقها عقدت بخيوط غير مرئية لتصدها كتلة صماء واضحة الصدوع وكأنما تتحدى لهفتهم ، تسخر من عجزهم ، تلبي مشيئة غيرهم ، الخندق .. !!
الخندق هاوية سحيقة.. تميط اللثام عن صراع موءود في مجاهل الأدغال المتشاجرة، المتعانقة عناق المتصارعين.
يستشرفون خندق الفضاء بعيونهم العمودية فيطل عليهم كوتد شامخ ..مغروز في الحنايا.. ليعتقهم من الأسر الآدمي ليضمهم إلى زمرة أولئك المرفرفين في جنبات الكون البديع .. أولئك التياهين بحريتهم وخلودهم .. إنه العتق من ربقة المثول فوق جاذبية الأرض ، من قيد غلافها الزجاجي البلوري الشظايا ، هل حان موعد الصعود؟
تركتهم ترهاتهم يتخبطون : أليس بوسعنا مغادرة تلك الأرض الجرداء ؟ 
ما اعتادوا الثقل ، ما تعودوا أن تدوس أقدامهم تراباً ، أن تغوص فيه ، هنالك كانوا يحلقون كما الطيور المرفرفة ، يتنقلون كالفراشات تمتص الرحيق.
 ـ تخلوا عنا !
ـ إنها كواكبهم المشيدة باسمهم ، من نحن حتى نجرؤ على التفكير في المغادرة إليها وهل نملك شيئا حتى نرقى إليهم ؟ دعنا فيما نحن فيه . 
ـ لقد صنـعت من أجلهم وليس من أجلنا .
ـ هذا قدرنا ، فلنستسلم له.
ـ ماذا بوسعنا أن نفعل لنحقق حلم الرجوع ؟
ـ الكثير ، نفعل الكثير .
ـ وأين حضارتنا هل تخلت عنا ؟
ـ وهل بقي شيء منها ؟
عيونهم معلقة بالخندق المشقوق، مولجة في حيرة لا نهائية، كيف انشق من جوف الكون؟ وهل ينشق غيره؟ هل نسقط في دائرة من الانشقاق اللانهائي ؟ من يوقف انهيار وشيك؟
الجزع يقبض أطراف الجسد فيرعشها في تراخٍ وضعف ، تربعوا أمام الخندق خانعين ، عجزوا عن التقدم نحوه ، أو النظر إلى لهيبه الحارق ، ربما لم يبق لهم سوى اتخاذ مواضعهم القشيبة المجدبة مضاجع غير مطمئنة وهل يملكون قرارا غيره ؟
استغاثاتهم لم تتوقف ولم يعبأ بهم سوى السكون  .. الفضاء لا يحملها لأولئك الذين حملوهم إلى تلك البقعة الخادعة ؟ لم يتدارسوا الأمر جيدا، لم يكتشفوا حقيقة الكوكب؟
"أحياء نحن أم أموات ؟ كيف تحول الفضاء إلى خندق ؟ وكيف نخشى السقوط ؟
ـ  إلى أين تريدون العبور ؟
ـ نريد العبور إلى الجهة الأخرى .. الأشجار والأنهار والجداول العذبة الرائقة.
ـ الخندق يغوص إلى قاع مظلم ويعلوه لهيب مطبق.
ـ لم لا نردمه ؟
ـ وهل يردم هكذا خندق ؟
ـ إذن نصنع جسرا لعبوره .
ـ أين هي الأشجار ؟
ـ إنها هناك على الجانب الآخر.
ـ سيبتلعنا الخندق قبل الوصول إليها .
ـ وهل نموت في هذا المكان المقفر، أنستسلم للموت ؟
ـ اجلسوا حتى يأتي الله بالفرج من عنده .
وقف الصبية يتطلعون إلى الجانب الآخر رافضين الاستسلام والقعود ، اتحدت أناملهم في قوة وبأس ، فتوارت ارتجافاتها ضمن إسار الاحتضان، أرادوا العبور سويا ..القفز قفزة واحدة .
جاءهم شيخ مهرول:
ـ تمهلوا يا شباب .. تمهلوا ، أتريدون قتل أنفسكم ، تراجعوا ، إنه الموت .
ـ الموت خير من حياة باردة . 
 ـ إنه شر مستطير، لا قبل لنا به.  
ـ تمهلوا أيها الشجعان.. تمهلوا وتريثوا .
وقفوا في ثبات لم يغمض طرف ، لم يعر أحدهم كلمات الشيخ اهتماماً .
ـ سترسل لنا السماء حلا آجلا أو عاجلا .
ـ السماء لا تساند الضعفاء الخائفين المرهوبين  .
التحمتْ الأصابع ، فانصهرت ارتعاشاتها إلى دفءٍ وثير ... دبت أقدامهم في قوة وبطء، ترتفع وتهبط لتجوب قطر الأرض ، تكاد الأرض تهتز لسيرهم الجبروتي ، تميد لكتلتهم الصماء التي لا ينفذ عبرها هواء ، بنيانهم المتين يعلو ويتراخى كأعمدة جرانتية ، فاستدارت جنباتها  تحت أقدامهم، وعانقت الأفق عند مرمى البصر.
تطلعوا نحو الخندق .. رأوه يفغر فاه مبتلعا التاريخ .. الضلوع المقدامة ترتجف ..تناضل رباطة الجأش في مكانها الثوري وزعامتها التي لا تقهر ..
سرت همهمة بين قطيع الصفوف المتراصة في الخلف كعيدان ذرة تطوحها الريح: " إنهم ميتون لا محالة .. جنوا .. يلقون بأنفسهم إلى التهلكة.." 
حذرهم آخرون :
ـ عودوا إلى الوراء ، ارجعوا ، ارجعوا .
أبرق البرق ، ودوى الرعد ، حلت صاعقة ارتطمت بالصخور فانفجرت ذراتها في غضب، النظرات خوف ، قبعوا في العراء متوسلين بالشمس البعيدة التي تذكرهم بمكانهم هناك في الفردوس ، علّها تنقل إليهم شيئا من همسه وانطلاق الريح بين أغصانه وتلافيف أشجاره ، وربما يرون صفحة الجداول معكوسة في مرآة الشمس . هزهم صوت من عمق دفين وهو يردد:
ـ انهضوا أيها الغفير، انفضوا رمال موضعكم الجديد، وألقوا بأنفسكم في الخندق ، فيعيدكم إلى موطنكم القديم .
ـ هل نعود إن فعلنا ؟
قال آخر :
ـ لا ، بل يحولنا الفضاء إلى ذرات مفتتة ، ويأكلنا هجيره ، ويشققنا غلافه .
ـ وهنا ، ماذا سيأتيكم سوى موت بارد ، واختناق ضيق رغم رحب الكون.
ـ بعد أن يحل الليل ستأخذنا سكرة النوم ، فنغفو غير مستشعرين ألم الموت .
فقال الصوت :
ـ لن يأتيكم الليل ، فأنتم منه على بعد عشرات السنين ، نهاركم أبدي.
اعترى الشحوب الوجوه المضناة ، وأطبق الذهول ، تقوقعت الأجساد ، تلاصقت وقد لفها  صمت.
صرخ أحدهم قائلاً في حشرجة :
ـ مدوا أيديكم الحائرة نحو الفضاء، واستصرخوا السماء.
صمتوا راضخين ، ثم قال أحدهم :
ـ إنها جريرتنا، وهذا عقابنا، وعلينا أن نمتثل له ونرضى به .
ـ ترضون بالهوان ؟ دافعوا عن بقائكم ، عن أصداء الأرواح الغائبة في أصلابكم .
ـ بل سنموت، لنخلط أديم هذا السطح المنحني بخلايانا ، وربما تتكاثر يوما بعد يوم لتنفث الحياة في ثراه المفتقر إلى رائحة الآدمية.
ـ لن يبالي بكم أحد .
ـ نعم ، ولكن عندما يأتي أحفادنا ، سيشمون في الثرى رائحتنا فتمنحهم زاد البقاء والتجدد ، ويمشون فوقنا فيستعيدون ذكرى أديم الأرض ، سيبحثون عن قبور تضم عظامنا ، ومن القبور تبدأ حياتنا.
أفزعهم الجوع ، مدوا أياديهم إلى أوراق الشجر ، لذعت مرارتها ألسنتهم ، حتى اكتشفوا ثمارا فيها حلاوة شبيهة الطعم ، وركضت على البعد  غزلان تائهة فانتبهوا إلى لذة بقاء محتمل، وما زالوا يحلمون:
ـ  ألن نعود إلى هناك؟
ـ ألن نرجع مرة أخرى؟
ـ آه أيها الفردوس الجميل!
ـ هذه الكائنات البغيضة!
ـ تلك الأصوات القبيحة !
ـ هذا الهمس الخانق!
جاء صوت من أقصى السنين يردد : اخلقوا جنتكم هنا إن لم تستطيعوا الذهاب اصنعوها بأيديكم أينما كنتم .
سنوات طويلة تمر وهم قاعدون.. مخذولون ، توقف إدراكهم عن الوعي بها ، اعتقدوها أياما مدلهمة ولكنها كانت سنوات مهرولة .. مشعلة الشيب، مثيرة أوار الشيخوخة في العظام المتهتكة .. ماذا حدث لهم؟ هل انقضى العمر دون أن ينتبهوا؟ هل تنتهي الحياة ولما يحيوها ؟ الجوف المبتلع لاطمئنانهم يفغر فاه هازئا ، مشمئزا.
 ـ  بالأمس جئنا .
ـ الأمس المهزوم أم الأمس المغلوب أم منذ ذلك اليوم الموعود ؟
تبادلوا نظرات التيه والحيرة:
ـ  لا ندري .
ـ منذ متى كان ذلك اليوم ؟
 منذ كنا عراة ، حفاة ، منذ حملنا الوتد ، وأشعلنا الشجر.
ـ منذ مليارات السنين ؟
نظروا حولهم حائرين، ووجوههم الشاحبة تخبرهم أن بشراهم غائبة، وأن السماء ناقمة.
   يحدقون حيال الخندق يرغبون في تجاوزه .. عبوره إلى عالمهم القديم  .. الغناء والسمر، الفراغ والأمل ، العيون ترنو إليه في غموض مبهم .. يبدو خاليا من الشجون المحصورة في ثنيات القلوب الموجوعة .. يبدو أروع ما تراه العين ، أبهى من كل الظنون ، ممتد في رحابة  لم تعايش آلامهم ..لم تعرف أخطاءهم .. خوفهم الصقيع ..
كان الزمن سرمدياً غير متجزأ ثم تفتت بين أيديهم ، فعجزوا عن حصره والإلمام به ،  يتطلعون نحو تلك البقعة من السماء ، فهنالك صدحت ترانيم الكون ، وغردت طيور الجنة ، ينظرون بشغف ، علّ شيئا من رائحتها يذكي أنوفهم ، ولعل القلب يظفر بالسكون ، بالرغد والطمأنينة ، هلموا إلى هناك .. مادت الطريق .. ها هو ذاك ، نحن نراه . ألا ترونه .. إنه مضيء كاللآلئ ،  كالعناقيد ، صاعد في معارج ذهبية ، رفعوا رءوسهم ، تلفتوا ، فاختفى البرهان ، وتقوقعت آمالهم بين طي السراب . شغلوا عن الخندق ، راحوا يبحثون عن الرمق الذي يسد جوعهم ، عن الزاد السرمدي .. وكلما أشبعوا بطونهم  ارتدت إلى جوعتها ، لم لا يعود الطعام سرمدياً ، والضحك أبدياً ، والفجر لم لا يتزين بخيوط  عسجدية ورمادية أزلية . لم لا نهنأ بسعادة أبدية؟!
وبعد دهور طويلة أغدف الليل ، واعتركت ظلماته ، ولم ينبسط  في غياهبه بصيص من أمل، حتى كان نهار الأمس حلما باهرا ، " ضقتم بالنهار فاهنئوا بظلمات ليل لا فجر بعده ".
 أشعلوا بعض الحطب ، وفي الليلة التالية بعض القش ، وفي ليال أخرى طويلة أشعلوا شموعاً وقناديل ، فبددوا ظلمة الليل بأنوارهم ، ومضوا يتجولون ويتكاثرون، يضحكون ويبكون، يملون ويهنئون ، يسعدون ساعة ويسأمون الليل كله .
انتظمت الموجودات ، فتعاقب ليل وراءه نهار ، ونهار بعده ليل ، صاروا ينظرون إلى الخندق فيرونه سماء مطبقة ، رائقة الزرقة ، مليئة بالغيوم أحيانا أخرى، استكانوا إلى وشوشة الخريف للدروب العارية ، وعود وثرثرات عن الرجوع إلى البقعة المباركة ، والهناء في رحابها ، وكلما انقادوا لصوت جاء غيره ، حتى أنساهم الدأب ما ينشدونه ، وانهمكوا في تلبية نداءات القلب والروح ، فطمرت عوامل التعرية  الرسم  القديم ، واندثرت الذكرى تحت الأقدام المهرولة. وكلما برق الطريق العنقودي استعادوا قليلا من الذكرى ، وسرعان ما تتلفها الأوهام والأحلام . كلما صنعوا جنتهم واستطابوا المقام بها دنت منها أجنحة السواد فدمرتها ، وأشعلوا بها نيرانا فأحرقتها ، ونسوا أنها جنتهم المثلى ففارقتها ، البساتين الغناء والطيور المغردة والألوان المبهجة، وعلا صوت الصخب والمجون، وناحت الغربان. حلمهم اليوم بلا حدود ، يشرع في مد طريق عنقودي متلألئ من صنع عقولهم المعقودة بحبال متينة مع جنبات الكون ، والمتآلفة مع همس الكائنات ، عقولهم التي لم يستعص عليها شيء ، فهبت تلقط معاريج الطريق المفقود . وتصعد درجاته لاهثة.
ها هي الكائنات النورانية تبحث عن ملجأ، توصد الأبواب في قلق، تتوجس هجوما من أولئك الذين ألقت بهم في العراء وسط الخندق.. تستغيث سائلة النجاة ، ترجم طارقي الأعتاب بشهب ثاقبة ، بيد أن الكائن الطيني لا يرعوي أمام المستحيل . ينفذ نحو الأقطار متحدياً ظافراً، قائداً زمرته ، فلم يروا سوى نجوم وكواكب معلقة في طبقات سبع ، راحوا يبحثون عن جنان الأمس التي طردوا منها ، عن الصوت الصداح الغرد ، عن جداول الأحلام ، فما أبصروها ، لم يصبهم شيء من اليأس بل سلطوا إشعاعهم فتكشفت لهم أسطح فيروزية ومرابع سندسية ، شبيهة بربوعهم ، مطلية بالصمت ، خاضوا بداخلها ، تمشوا على مهل ، فكانوا غرباء منكرون وسط  كائنات لا يرونها ، يسيرون بينها ، وقد غشيتهم حواجز: " أين الذين ألقوا بنا في العراء بالأمس ؟ أين الذين طردونا من مرابعنا ؟ ها نحن قد عدنا فليعلنوا عن أنفسهم .. فليكشفوا سترهم".
تلاشى الشرخ المميت ، واختفى الخندق ، التصقت طبقات الأرض لتنبسط  نحو السماء ، التحمت جزئيات الزمن في بوتقة ذاكرة موحدة، توقف كل شيء عن الإلحاح ، البطون والأجساد والأشواق والأسقام، وإذا بالطريق العنقودي متلألئ مرة أخرى، حل كالصاعقة، تسمرت الأحداق وذهلت العيون ، وعلقت به الأبصار. اليوم عبروا الخندق ، قفزوا خلاله إلى تلك النجوم الساطعة ، فتسامروا في جنباتها ، وعلت قهقاتهم في أروقتها ...جنان مخضرة.. وحور عين يتراقصن عن يمين وشمال ، يبدين دلالا وغنجا ويحملن قيثارات الهوى العذري المغلف بغلالة لم تفض ..والخيط الموصول بين بطانتهم وسدنة العرش يغريهم بالالتحام والتلاصق..
دهوركم الطويلة لم تكن سوى بارقة ، ها هي منقوشة فوق السدرة العليا ، بمداد البحور والمحيطات، فأين أنتم منها ؟ ظننتموها ممتدة وما بقيت سوى برهة .. ألن نعود إلى حياة الخندق ؟